|
استقالة الرئيس... وقباحة الآخر!
بين استقالة الرئيس الألماني كريستيان وولف على أثر فضيحة تمويله
بيته الخاص بقرض بنكي بلا ضمانات كافية في العام 2008 (قبل توليه لمنصبه الرسمي).
وبين الرئيس العربي المشغول بقتل كل الحيوات من حوله حفاظا على موقعه المقدس...
بين كبوة الأول وما فرضته من ثمن مرتفع على صاحبها، وعار الثاني وما يحصده من
ضحايا: يكمن الفارق السحري بين عالمين لا يشبهان بعضهما البعض ولا يلتقيان، على
هذا الصعيد، حول مرجعيات ثقافية أو سياسية واحدة، فما يقدمه النموذج الألماني من
إشارات لا تقبل التفسير والتحليل والركض الخفيف وراء مبررات ما لسلوك الرئيس، هي
التي تخلق الفارق الهائل بين ثقافة القيادة (الإدارة بمعناها الشامل) تلك السائدة
اليوم في الغرب عموماَ، وبين ثقافة الحكم (الحاكم بأمره)، تلك التي لم نعرف
سواها في العالم العربي. وهي: الإشارات الدالة بعنف، ليس على غياب أوجه الشبه بين
العالمين فحسب، بل تؤكد، للأسف، حقيقة الوضع الحضاري/ إنساني البعد الذي حققه
الغرب (داخله فقط، وليس بطبيعة علاقته الأقل حضارية وإنسانية بدول العالم
الثالث)؟ كما تؤكد، في الوقت عينه، حقيقة ما يرفل به العالم العربي من إخفاقات
حضارية لا يمكن وصفها الآن بالجميل من المفردات!
يدير القائد الغربي دولته التي اختارته لقيادتها بعقلية المدير
الإداري لشركة عملاقة لا يملك أسهمها ولا يحق له التصرف بأموالها، وما عليه
للبقاء في مكانه سوى تنفيذ أجنداتها ورعاية مصالحها وتطويرها، وحين يخفق أو يكاد:
يستقيل أو يُقال، ويأتي غيره ليواصل رعاية الأجندات، فلا تنهار الشركة لأن مديرها
أخفق ومضى لحاله، ولا تدخل أتون الفوضى والحروب الأهلية أو تصارع بدمها وبأرواح
أهلها لإقناع المدير بترك منصبه. لا يمكن لمثل هذا المشهد الدموي أن يحدث هناك،
فالقاعدة بسيطة ولا تستحق الكثير من العناء: جاء المدير ثم استقال، وسوف يجيء
المدير الثاني خلفه.. قد يستقيل أو يُقال، وقد تودعه الشركة بالورود والأمنيات
وتستمر الحكاية.
أدارة الدول بمواهب المدير وبحدود سقفه القانوني والإنساني
المُعدً سلفاَ هي القاعدة الثابتة وغير المسموح بخرق شروطها، فالدول/ الشركات: لا
تحتمل أو تبرر أهواء قادتها وأحلامهم الشخصية ورغباتهم العائلية الضيقة ولا تقبل،
بالتالي، تحويلها وأصحابها لوقف فردي/ عائلي يكتسب مع الوقت والعنف وحماقة
الثقافة السائدة صفات المقدس وخصائصه الإلهية التي وجدت لتبقى (إلى الأبد، وما
بعده أيضاَ) ولا يصح تغييرها، فالمقدس لا يتغير.. لا يستقيل أو يُقال!؟
قدم الرئيس الألماني عبر استقالته مؤخراَ بعداَ أخاذاَ يتجاوز
فلسفة الإدارة العامة للدولة ليدخل طور المرجعيات الأخلاقية اللازم اتباعها
والعمل بقوانينها، فالرجل المستقيل هناك، انسجاماَ مع ثقافة الإدارة تلك: هو
الممثل الشرعي (المُنتخب) لمنظومة عملاقة من القوانين والأعراف وأصول القيادة
الشفافة... إنه وجه ألمانيا الأول في الداخل والخارج، وعليه أن يعكس صورة الوجه
النقي والجميل، وأن لا يتورط في القليل أو الكبير من الحماقات الشخصية التي يمكن
أن تنعكس سلباَ على ذلك الوجه: وجه البلد. لهذا استقال كريستيان وولف الذي لاحقته
القوانين ووسائل الإعلام بتهم الفساد الشخصي وليس العام، أي أن الرجل لم يختلس
مالا عاماَ، ولم يزورً انتخابات ما ولم يقتل أحدا للحفاظ على منصبه أو يعدلً
الدستور ليلاءم الأبناء ومصالح العائلة.. ولكن المرجعيات الأخلاقية العالية
والواقعية تقضي بانصرافه: انصراف ما يمكن أن يعكر صفاء الوجه العام أو ينزل بسقف
تلك المرجعيات.. فانصرف، في وقت لا يمكن للعربي أن يحلم فيه بذاك المشهد الألماني
أو يتصوره مخرجاَ، فهنا: تسير الأمور وفقاَ لآليات أشد وضاعة وقسوة.. هنا يخرج
العربي ليكتب بكل اللغات لحاكمه القبيح: ارحل. هنا تتساقط الأرواح وتعم المصائب
والأوجاع وتدمر البلاد ولا يرحل حكامها... وهنا علينا أن نواصل البحث عن أسرار
الفارق العظيم بين الحاكم الأبدي والمدير الإداري المؤقت للبلاد.. بين ذهاب
الناس الآن في برلين للتجوال والاحتفاء بكل شيء (إلا البطولات المزعومة للحكام)
وبين نزول الناس للساحات هنا، حيث الموت بالمرصاد، لإقناع حكامهم بالرحيل أو
لإجبارهم عليه.
|