عودة إلى جسور

  1   

الآن.. في هذه اللحظة

  

هي اللحظة الأجمل، الأرفع، والأكثر عمقا، والأكثر شفافية وإلهاما.. لأنها الأصدق. لأن الزمن العربي لم يعرف مثلها أبدا. لأن التاريخ لا يقف في كل يوم على رأسه، ولا يفتح في كل يوم بابا، مثل هذا الباب العظيم الذي تدلف عبره الحياة إلى ذاتها الحقيقية، في رحلة استرجاع مؤلمة.

ولكنها جميلة في آن، للمكونات الطبيعية لتلك الذات. ولعل الحرية، تلك الرائعة، المشتهاة هي إحدى المكونات الأكثر رفعة ورقيا، من بين جميع العناصر الأخرى التي تتشكل منها الحياة برمتها فلا حياة حقيقية في نهاية المطاف، دون حرية حقيقية ومطلقة.

في شارع الحبيب بورقيبة في تونس إلى ميدان التحرير في القاهرة. راحت الحياة العربية تلك التي غابت لقرون طويلة، تبحث للمرة الأولى عن نفسها، عن ألقها الذي غلفه العفن وعن نبضها الذي خفت ولم نعد نسمع له صوتا، وكأنها ماتت.. لنكتشف بدفعة واحدة، عبر الشارع الجميل ذاك وهذا الميدان الرائع الآن، أنها لم تمت. وهاهي ترجع مرة أخرى، هي المرة الأولى ربما؟ لتستعيد صورتها، وتنتفض عن وجهها غبار الشيخوخة الرديء ولتدخل بلا كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ سحر الشباب، عذوبة وجاذبية الشباب، وتصير هي أخيرا شابة من جديد.

كانت الحياة العربية قد هرمت تماما، وكان علينا نحن الذين هرمنا معها، ودخلنا معها مرحلة اليأس بل تجاوزنا حدودها بكثير، أن ننتظر ردة فعل تعيد شبابها إليها وشبابنا إلينا، تبدو كلمة ـ ننتظر- هذه في غير موقعها الصحيح الآن. فلم يكن أحد منا ـ ها أنا أجزم ولأول مرة حول أمر ما ـ ينتظر، أو يتوقع ما تابعناه لحظة بلحظة في تونس، وما نتابعه بخوف وفرح كبيرين في مصر الآن.

فما حدث كان مفاجئا تماما. إنه نوع من التدفق الجمالي الكلي الذي نادرا ما تعرفه دورة الحياة، ونادرا ما يلتقط، ولكنه حين يحدث وهو فجائي عادة، يتجاوز حضوره ما عداه، ويترك آثاره الخاصة إلى أبد الآبدين.

حين يعود الشباب من ميدان التحرير، كما عاد رفاقهم، من شارع بورقيبة إلى بيوتهم آمنين، بعد أن أنجزوا معا مهمة إعادة الحياة العربية إلى شبابها المنشود. سيكتشف العربي عقلا ووجدانا، أن أحداث اللحظات المقدسة تلك، لم تكن مجرد هتافات صاخبة لمجموعة من الشباب، ولا هي مجرد حركة احتجاج ضد أنظمة لا يمكن وصفها إلا بالقذرة، ولا هي بالمظاهرات المطالبة بإصلاح النظام الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والطبي.. إلى آخر ما هو كل فاسد في العالم العربي.. بل هي إلى جانب كل ما تقدم، ثورة تغيير شاملة لن تأخذ في طريقها تلك الأنظمة ظلامية البعد والمعنى، فحسب، بل ستتعدى ذلك بكثير لتطال كل ما اعتاد عليه العربي من ثقافة وسلوك، بدءاً من الشعر والقصة والمسرح مرورا بالاقتصاد وعلوم الاجتماع، وصولا لآلية التعاطي مع الإسلام، وأحادية النظرة إليه، تلك النظرة التأويلية التي أنتجت 'ثقافة السلطان' الحاكم بأمره في البلاد العربية!!!

ستطال الثورة الحقيقية هذه كل ما هو عربي وتعيد إنتاجه من جديد ليصبح جديرا بالحياة، جديرا بالحرية، قلبها الفعلي، فإذا كان لا بد من التغيير، فليكن تغييرا شاملا وعميقا، وليس سطحيا ومشخصنا، كما اعتدنا عليه في (التغييرات) العربية السابقة. وكانت تونس في كانون الثاني (يناير) 2011، هذا الشهر العربي بامتياز، قد تنبهت لحيلة تغيير رأس النظام تلك (التغيير السطحي والشكلي) فتم العمل، ولا يزال يتابع، ليس من أجل إسقاط زين العابدين فقط، بل إسقاط النظام الذي مثله بالكامل. وهذه المفارقة الهائلة هي التي تدور من حولها المعركة العنيفة في مصر الآن، فالشباب يعرفون الحيلة إياها، ولن يغرر بهم.

التغيير الحقيقي والشامل هو الذي قدمت تونس وأشارت إليه، وهو ما تقدمه مصر اليوم وتزحف نحوه بعنف وإصرار لا مثيل لهما، فاللحظة مناسبة، والتاريخ يفتتح الآن كما لم يفعل من قبل، بابه العظيم الواسع، وما علينا سوى مواصلة الكفاح لعبوره، فهناك خلف ذاك الباب الذي ظل مغلقا في وجوهنا لقرون طويلة تنتظر الحياة بجنونها وفوضاها، بأفراحها وأتراحها، وبما تمثله من معان عظيمة لتلك الحرية الغائبة، فاللحظة هي مرة أخرى، وأخرى، لحظة مناسبة ولأنها اللحظة الأجمل والأصدق، والأكثر قيمة من كل ما عرفناه عبر تاريخنا الطويل المرير.

 

  2   

ليبيا وضوح المشهد

وغموضه السديمي

 

أعرف إن ما أعرفه عن الحدث الليبي الآن ليس كثيراً، بل هو أقل بكثير مما يحتاجه المتلقي لتشكيل صورة واضحة عن الحالة برمتها. فلا إعلام داخلي نزيه وفاعل هناك لنقل الخبر. ولا إعلام خارجي قادر، لما يعانيه من منع وتشويش، على تزويدنا بنقاء المشهد، لتبقى الصورة والحال هذه رهينة ما نعكسه نحن عليها من وضوح مفترض، وما تمثله هي، فعليا، من غموض سديمي. وتصير الكتابة عن ليبيا، منذ انطلاق ثورة السابع عشر من فبراير 2011، ضربا من المغامرة النصية المسكونة بأشباح التخيّل والتخييل والتحليل الانفعالي وما نحمله، قبل هذا وذاك، من حنين هادر لتلك الروح وتجلياتها السحرية التي قدمها ميدان التحرير في القاهرة. روح الريادة الأخّاذة، قبله بقليل، للمشهد التونسي.

الكتابة عن ليبيا اليوم هي انعكاس طبيعي لقلة المعلومات المتوفرة عن المكان، ومحدودية دقتها، إلى جانب فوضاها التراتبية إذا توفرت. إنها كتابة شاعرية البعد، إذا جاز التعبير، وليس تحليلية لحدث مكتمل العناصر، أو خبر حقيقي، ولعل الغياب الشمولي الذي رزحت تحته ليبيا وعلى امتداد عقود عجيبة أربعة، هو الخالق الفعلي لفوضى الكتابة هذه، وليس التعتيم الذي يلف أحداثها الآن فحسب. فقد ظل ذلك المكان ذو الشريط الساحلي المتوسطي الطويل، والعمق الصحراوي الشاسع مغروسا في وعينا ولا وعينا الجمعي، بصورة العقيد وبتلك الوقائع الساخنة التي أحدثها (ملهى برلين).. (لوكربي) وما ترتب على أثرهما من نتائج: غارات أمريكية وحصار اقتصادي، إضافة للقليل القليل الذي تسرب عن إعدامات سجن "بوسليم"، واغتيال المعارضين في الداخل والخارج، واختفاء الإمام موسى الصدر، و.... "انتوني كوين": عمر المختار، كما قدمه العقاد تحديداً. ولا شيء أكثر!! تلك كانت صورة ليبيا المخزنة عندي، وعند أبناء جيلي الذين ترافق حضورهم على هذه الأرض بحضور- الأخ القائد - على الأغلب ، أنها صورة مشوهة، ناقصة، ولا تمثل بأي حال حقيقة المكان وثقافة أهله، بل تعمل على تهميشه، أكثر لتبتعد ليبيا عبر هذا التشويه والتهميش، أكثر فأكثر. إنها بدقيق العبارة وعنفها أيضا: الحاضرة الغائبة دائما،والمقيمة أبدا في اللامكان، في الهشاشة المتناهية وضروب اللاجدوى التي مثلها العقيد بكفاءة عالية. هي الكفاءة اليتيمة التي حملها وبجدارة منذ العام 69 وحتى اليوم. فماذا لدى العقيد كي يقدمه لليبيا غير حشرها، لعقود طويلة أربعة، في مربع الهشاشة والغياب، كما يحشرها اليوم "دار. دار. زنقة. زنقة" في دهاليز الخوف وإراقة الدماء.

نجح العقيد، كما لم ينجح من قبله أحد، في اختزال ليبيا والشعب الليبي وإلى الحد الهلامي الأقصى، في شخصه هو، وعبر تصوراته الحمقاء مرة، والدموية مرات أخرى، ولا شيء آخر أكثر من ذلك، السؤال الذي ظل يتردد طويلا: كيف تمكن ذلك الشخص الخفيف، صاحب نظريات اللاجدوى والبارع بتحويلها إلى وقائع، من اعتقال ثلاثة ملايين إنسان آنذاك ثم أربعة وخمسة وسبعة ملايين اليوم، وتحويلهم إلى مجرد ـ جمهور للجماهيرية ـ لا يملك سوى حق التصفيق لأفكاره التي يحبم بها ليلا ويفرضها صباحا!؟

لا جواب لدي طبعا، فكل ما يمكن أن نفكر به أو نستحضره من نظريات الحكم الشمولي، وعلوم النفس الجمعي والفردي، وغير ذلك من أدوات التحليل السياسي والاجتماعي، تتوقف بالكامل، فاقدة جدواها، عند أبواب ليبيا وأسوار باب العزيزية، كما ستتوقف وتفقد جدواها أيضا، عند أبواب العالم العربي عامة وخلف أسواره اللامتناهية، فالسؤال أعلاه، يمكن تعميمه وبسهولة على جميع عقداء النظام العربي، وليس عقيد ليبيا وحده، فالأخير وفقا للتجارب والتاريخ، هو الابن الشرعي لذلك النظام، وهو الممثل الحقيقي له، وليس خارجا عن سياقه، ولا شاذا، ولا مجنونا، كما يحلو لنا أن نراه، وهو بين هذا وذاك، ليس مخلوقا من إحدى أفلام الرعب وفانتازيا الفضاء، أنه الابن الشرعي مرة أخرى وأخرى، لهذه الأرض العربية التي انتجت ( لا أعرف كيف أنتجت!) هذا النوع العجيب من فلسفة الحكم، حيث الحاكم هو التمثيل البشري لقوة هائلة لا نعرف لها مثيلا سوى في الكتب المقدسة التي يلعب فيها الله ذلك الدور العظيم الذي لا ينافسه عليه أحد غير العقيد.... والعقيد الثاني والعاشر.. إلى آخر عقداء النظام العربي.

لم يكن العقيد الليبي مختلفا إلا بدرجات قليلة فقط، عن أصحابه، وهو اختلاف على بساطته، يحسب لصالحه وليس ضده، ففي كان العقداء العرب يختفون خلف ما هب ودب من أساطير: الحكم المدني وقدسية الدستور والانتخابات البرلمانية ، كان صاحبنا يلغي كل ما تقدم ذكره ، وما لم يذكر، فلا دستور ولا انتخابات ولا أي شيء آخر من هذا الهراء العربي، كان واضحا وصادقا وكانوا يكذبون. كان يحلم وينفذ فورا، وكانوا يحلمون وينفذون بطريقة ملتوية. كان يغامر بمقدرات البلاد والعباد ويلغي سيرورة الحياة الطبيعية والتطور المنطقي لدروبها، وكانوا سباقين، دائما، لتحقيق ذلك الهدف، لتكون النتائج في نهاية المطاف واحدة والدمار واحد، والإلغاء المرعب للناس وحيواتهم مشتركة ومتطابق.

كان العقيد صادقا إذن، كما هو اليوم صادق وصريح تماما، مثل صخرة صماء فعلا كما يقول عن نفسه، فالصخرة صادقة هي الأخرى، والوحشية التي واجه بها العقيد شعبه صادقة أيضا. فماذا كنا ننتظر من هذا الممثل العلي للنظام العربي غير الوحشية التي نتابع تجلياتها لحظة بلحظة، وماذا سننتظر من باقي العقداء الآتي دورهم، ولو بعد حين؟ وهل ستختلف طرابلس اليوم عن دمشق غدا، أو بعد غد، وهل ستختلف دمشق بدورها عن صنعاء أو الجزائر والرياض و... و؟؟

لكن المشهد الليبي يبقى غامضا بالرغم من وضوح العقيد وصدق سلوكه الحالي فتتضارب الأخبار الواردة من هناك يطال حدود التناقض أحيانا، دافعا بمشاعر الفرح المنتظر نحو دروب القلق والتوجس اليومي، فها هي الثورة تحتفل منذ أسبوعها الأول بتحرير مدينة هنا وأخرى من هناك. ليعود النظام ويعلن عن إعادة  بسط سيطرته عليها من جديد!؟ تنتظم وحدات من الجيش الليبي للثورة، في حين لا تزال، الزاوية وراس لانوف ومصراته تحت رحمة المدافع الثقيلة وصواريخ الطائرات (هل يصلح المرتزقة لأداء تلك المهمة العسكرية حقا)؟! يتشكل المجلس الوطني ويعلن ليل نهار عن أن البلاد محررة، وأن طرابلس هي قلعة النظام الأخيرة لا غير، في وقت يتصرف فيه النظام ، سياسيا وعسكريا، على العكس من ذلك تماما موحيا بدخول ـ الدولة ـ في مواجهة مع بعض الجيوب المتمردة في شرق البلاد لا أكثر!!

تضارب الأخبار العسكرية تلك، وغيرها الكثير، يقابله جنون دبلوماسي عربي ودولي يعكس نوعا من الخفة غير المحتملة في استقبال الحدث وطرق التعامل معه:- البيت الأبيض يعلن ويقرر أن القذافي انتهى، الاتحاد الأوربي يعزف على الوتر عينه، ويقرر تجميد تجميد المعلن عنه من أموال العقيد المودعة لديه. سفراء النظام يستقيلون تباعا ويعلنون ولائهم للثورة. مجلس الأمن يجتمع ويقرر، والناتو يجتمع هو الآخر، حتى الجامعة العربية ـ اجتمعت ـ وأعلنت وقررت ـ ماذا قررت ؟؟!!

بريطانيا تهذي باحتمال التدخل العسكري المباشر، أو غير المباشر، وفرنسا تلوّح بمناطق الحظر الجوي وتعترف بمجلس الثوار، والمجلس يعلن عن وجود مفاوضات سرية لخروج العقيد آمنا، والعقيد ينفي وينفي، وهكذا، خبر من هنا، وخبر من هناك، وقبل أن أنسى، علي أن أذكر دول الخليج التي تدخلت هي الأخرى وطالبت بفرض حظر للطيران فوق ليبيا، ليس هذا فحسب، بل أعلنت حتى تكتمل سريالية المشهد وغموضه السديمي، عن أن هناك ما يسمى بحقوق الإنسان، وأن على العالم أن يصونها ويحميها.... جميل!!!!!

هل نقف الآن فعلا أمام نقل حي، ومتطور لمشاهد الحرب النفسية وصناعة الشائعات؟ أم أن هناك أجزاء أخرى من الصورة لا نراها ولا نعلم عنها شيئا؟ وهل سينجح النظام العربي الذي يمثله العقيد بجدارة من تحويل الثورة إلى حركة تمرد عسكرية، بلا أفق ومستقبل سوى الصوملة وجنون الحرب الأهلية، أم أن الثورة ستبقى ثورة، كما نحب ونشتهي، وكما هو حالها قبل قليل، في مصر وتونس، وكما ستكون عليه، قادمي الأيام في العواصم العربية  القادمة؟

ننتظر، بخوف ننتظر، ونحلم، نكتب، نغضب ونصرخ قليلا، ونعرف بين هذا وذاك، بأن الشق الواضح، الوحيد، ربما، من المشهد الليبي سديمي الغموض والوقع، هو أن العقيد... بطريارك الصحراء ذاك، قد دخل بلا رجعة خريفه الأخير، وأن ليبيا تلك الحاضرة الغائبة لعقود أربعة مظلمة سترجع حتما إلى نفسها، وترجع حتما إلينا، ونرجع نحن الذين أقمنا، مثلها في متاهات الغياب إلينا.  

 

  3   

الغرب..

وحرية تفسير الحرية

ببراعة لافتة، نسج الغرب تفسيره الأحادي للحرية وآليات تطبيقها. رابطا بين الحرية، فكرا وفلسفة ووسيلة للعيش، وبين الجغرافيا الطبيعية التي تلتقي في إطارها ثلة الدول الأوروبية، الغربية منها تحديدا، وتلك الجغرافيا السياسية والثقافية التي تصل القارة العجوز بالعالم الجديد: الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، واستراليا. أي الدول الموصوفة عنصريا بدول العالم الأول. اعتمد ذلك التفسير، سريالي البعد كما يبدو، على فكرة قديمة متجددة... معلنة وغير معلنة، ترى في العرق الأبيض طاقة خرافية على التفوق والسيطرة وحبس الآخر/ الأقل قيمة عرقيا/ في الإطار العنصري الذي تجلت بشاعته/ طاقة التفوق لديه/ في حملة الإبادة الجماعية للهنود الحمر على الضفة الأخرى من المحيط وقت اكتشافها. وفي ظهور الاستعمار ومحاولة تسويقه فكرياَ: الاستشراق، التبشير الديني، وسياقات الحداثة المقترحة. وكان التمثل الأقوى لفلسفة التفوق تلك قد تجلى بصورة دموية في أفكار وسلوكيات الفاشية والنازية وما قادتا إليه من دمار كوني إبان الحرب العالمية الثانية، التي وضعت الغرب وللمرة الأولى أمام السؤال الأخلاقي الكبير: سؤال التفوق العرقي وأجوبته الكارثية.

شرع الغرب، ثقافة ومؤسسة، منذ الإعلان عن هزيمة ألمانيا في العام 1945، على إعادة التفكير بذلك السؤال وتفكيكه إذا لزم الأمر من جديد، فترتيب البيت الذي دمرته الحرب كان يستدعي، إلى جانب العزيمة والقوة الاقتصادية، شيئا من النوايا الأخلاقية أيضا، تلك التي راحت تظهر تباعا، وبشكل مدروس جيدا، عبر الانسحاب ـ ليس الطوعي دائما ـ من المستعمرات القديمة في آسيا وإفريقيا، ومحاولات رد الاعتبار لمن تم اضطهادهم في السابق: الهنود الحمر على الضفة الأخرى، اليهود والغجر والشواذ جنسيا وأصحاب الرأي الآخر في أوروبا. في حين تركت المستعمرات لفوضاها ودمارها الكلي والمستمر حتى الآن. ليكون منطق التفوق العرقي قد  تعرض، على ذلك الصعيد، لإعادة صياغة لشكله الخارجي وليس محتواه لا أكثر.

انعكست ـ النوايا الحسنة ـ تجاه الهنود الحمر أمريكيا على شكل حزمة من المشاريع الاقتصادية المخصصة لإحياء مناطق تجمعهم داخل الولايات المتحدة، لا يعني هذا بالطبع الصعود بمستوى تلك المناطق إلى درجة مساواتها بجاراتها البيضاء. بل التخفيف، نسبيا، من حدة أشكال التمييز الاجتماعي.. وليد أفكار التفوق العرقي ومكملها. فلا تزال الفوارق الطبقية واضحة بين مناطق الهنود الحمر والمناطق البيضاء ـ لصالح الثانية دائما ـ. كما هي واضحة أيضا، كنتيجة لسياسة ـ تخفيف حدة الفكرة ـ وليس محوها بالكامل، على صعيد التمايز الثقافي بين الاثنين، فمحاولة رد الاعتبار للثقافة الهندية الحمراء.... الاعتراف بوجودها أولا، ثم الاحتفاء الخجول بها، لم تسمح لتلك الثقافة، ذات  الزخم الإنساني الرفيع والمتنوع، من مجاراة نظيرتها البيضاء والسير في ركابها. فما تزال السيطرة المطلقة، حتى كتابة هذه السطور، هي لوجهة النظر التي جاء بها الرجل الأبيض عند اقتحامه القارة، ولا يزال الهندي الأحمر، وفقا لذلك المنطق التسلطي، أسيرا، في الفيلم وفي النص المكتوب أو المسموع، لرؤية استعلائية، سطحية، وذات مغزى عنصري.

تغلغل فكر التفوق العرقي في ثنايا الثقافة الأمريكية البيضاء وقلص من فرص انفتاحها ـ المنشود ـ على الآخر، فالفشل الذريع في رد الاعتبار لوريث المكان الأصلي ـ الهندي الأحمر ـ رافقه سقوط أخلاقي صارخ على صعيد التماهي مع أفكار التمييز العنصري تجاه الأمريكي الأسود ـ شريك المكان والهموم ـ. وهو السقوط الذي أنتج، على امتداد العقود الست الأولى من القرن المنصرم، مجموعة من القوانين الاتحادية المستلهمة من روح الفكر التفوقي للعرق الأبيض وتداعياته المؤلمة. ليبقى الأمريكي الأسود، وحتى اللحظة، ضحية للمرتبة الدونية التي غلفته بها الثقافة البيضاء بأشكالها المتنوعة وبقوانينها الاجتماعية مرة، وتلك الاقتصادية المجحفة مرات أخرى.

تنوعت سبل المعالجة الأمريكية للسؤال الأخلاقي ذاك وتبدلت من وقت إلى آخر. تقدمت خطوة إلى الأمام وتراجعت خطوات إلى الخلف، وحافظت بين هذا وذاك على مسافة واضحة بين الإرث العنصري الكريه ـ الراسخ ثقافيا ـ وبين مبادئ الحرية المعلنة وقوانين المساواة ـ الممكن تعميمها ـ، لتصبح، سمة الوقوف الغرائبي بين ما هو راسخ وما هو ممكن، هي العلامة المميزة للسياسة الأمريكية داخليا وخارجيا منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم. وكان الوقوف، البين بين، ذاك قد استدعى بدوره حزمة من طرق التفسير الفانتازية هي الأخرى للحرية ووسائل تحقيقها، فهناك حرية خاصة للأمريكي الأبيض، تستمد مبرراتها من أوهام التفوق العرقي ـ الثابت وغير المعلن ـ. وهناك حرية، بثوب مختلف وأقل قيمة ومعنى، خاصة بالهندي الأحمر والأمريكي الأسود وأنواع المهاجرين. إضافة، بالطبع، للتفسير الثالث، الأكثر وقاحة وسطوة، والمخصص، هذه المرة، لآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وهو التفسير الذي لم يغادر مطلقا حيز المصالح الخارجية للولايات المتحدة، إذ تتفوق المصلحة الاقتصادية هناك على كافة أشكال الحرية ـ السائدة داخليا ـ، ولعل الدعم المطلق للأنظمة الشمولية، وحشية السلوك والتجلي، في تلك القارات، هو المثال الحي والبسيط على غياب الحد الأدنى لأفكار الحرية تلك، ليصبح التفسير ـ المتنوع في الداخل ـ مجرد وسيلة إلغاء للحرية بالكامل وليس آلية جديدة لتعريفها، ناهيك عن الموقف الثابت أبدا من وجود إسرائيل على حساب الآخر، ذلك الوجود النقيض لمختلف أشكال الحرية وآليات تفسيرها.

هناك، في ذلك الحيز الفاصل بين الحرية والدوافع أحادية الرؤيا لتفسيرها، تقف أوروبا أيضا عاجزة عن تجاوز الحيز السريالي وغير الإنساني ذاك، راضية، كما يبدو، بذلك الموقع الذي وفر لها حرية ـ متخيلة ـ للعثور على المناسب من الأجوبة المفترضة لأسئلة الإرث الاستعماري، والعداء التاريخي للسامية، وحقوق الأقليات، إلى جانب العديد من القضايا الأخرى التي يمكن اعتبارها، مجتمعة، كنتائج طبيعية لفكرة التفوق العرقي، لا غير.

واجهت القارة العجوز ملفاتها الساخنة تلك بطرق مختلفة، دائمة الانسجام مع الدوافع الذاتية التي تحركها، وليس مع مبادئ الحرية وقوانين المساواة المعلنة. فما يصلح، بعبارة أخرى، لهذا الملف، لا يصلح بالضرورة لذاك، وبصرف النظر عن عناصر التشابه الكاملة، أحيانا، بينهما، فالدافع هو محرك المعالجة الأثير، وهو الذي يقرر بالتالي آلية التناول وإيجاد الحلول. ولعل الازدواجية الفجة التي تعاملت بها أوروبا مع الأمثلة القادمة هي الدالة وبوضوح على الرغبة باختراع التفسيرات ـ المناسبة ـ للحرية، عوضا عن تناولها كفكرة إنسانية وشاملة.. لا تقبل التخصيص أو التفصيل.

تصعد الازدواجية تلك إلى سقفها الأعلى في منطق البحث الأوروبي عن وسائل، رد الاعتبار، لضحايا الحرب العالمية الثانية: اليهود والغجر، أكبر المجموعات التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي للمكان، آنذاك، وأكثر من دفع الثمن لسياسة التفوق العرقي التي قادتها النازية، بشراسة متناهية، ضد العرق الغير آري عموما. فحين شرعت أوروبا بحملة رد الاعتبار للضحايا، تناست على الفور حقيقة القاعدة المتداولة التي تقول بانعدام الفرق بين الضحية والضحية، لترفع، وفقا لمنطق التناسي المتعمد ذاك، من قيمة الأولى ـ يهود الهلوكوست ـ وتدني من قيمة الثانية ـ غجر التصفيات الجماعية ومعسكرات الاعتقال ـ. فما قدمته القارة لمواطنيها الغجر، ثقافيا واقتصاديا، لا يمكن الاعتداد به، مقارنة بما تم تقديمه، وعلى كافة الأصعدة، لجيرانهم اليهود. والأمثلة على ذلك التمييز كثيرة، ومعروفة تماما، ولا يتسع المجال الآن لذكرها. مع التأكيد هنا على الفرق بين أعداد الضحايا من اليهود والضحايا الغجر ـ لا توجد أرقام محددة للضحايا الغجرـ، في حين يتداول العالم الرقم: ستة ملايين للضحايا اليهود. ولكن، وبصرف النظر عن فوارق الأرقام، تبقى الضحية واحدة في الحالتين، إذ لا تؤثر الأرقام هنا في الجوهر الحقيقي للفعل وما أنتجه من عذابات.

تناست أوروبا حقيقة اللافرق بين الضحية والضحية، وأنتجت، تماهيا مع ذلك النسيان! كما هائلا من الأفكار والفنون والقوانين التي أطرت، مجتمعة، وجها واحدا للضحية، وخلعت عليه قداسة لا تمس، ولا يسمح ـ قانونيا ـ بمسها أصلا، في وقت تعامت فيه بالكامل، هذه المرة ، عن وجود ضحية أخرى، من ضحايا السقوط الأخلاقي لأوروبا إبان الحرب الثانية، هو الفلسطيني، الحامل حتى اللحظة لعذابات ذلك السقوط وتداعياته الكارثية المباشرة.

تدافع أوروبا بشراسة عن نفسها حين تواجه، أحيانا، بحقيقة مسؤوليتها الأخلاقية أولا، ثم السياسية تاليا، عن ظهور الضحية الفلسطيني للسطح.. كنتيجة طبيعية لقيام إسرائيل على أرضه، وهي التي، لم يكن لها أن ترى النور لولا صعود الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا العام 1933، وقدرة ذلك الحزب على تحويل فكر التفوق العرقي إلى سياسة واقعية وجدت آثارها على الأرض عبر مشروع: الحل النهائي ليهود القارة: معسكرات التجميع وغرف الغاز. وهو ـ الحل ـ الذي سيوفر بدوره، فرصة ذهبية، للمشروع الصهيوني: توجيه الهجرة العلنية والسرية نحو فلسطين، وتغيير المشهد الديموغرافي هناك، وصولا إلى توفر مجموعة سكانية قادرة على الإعلان عن ـ كيانها الجديد ـ في العام 1948.      

إنها المسؤولية المباشرة بكامل صفاتها وعنفها... وبصرف النظر عن وسائل دفاع أوروبا عن نفسها: التعامي عن الحقائق. أو التجاهل الكلي للضحايا. وهي الأدوات عينها التي  استخدمت ببراعة، ضمن سياق التفسير أحادي النظرة للحرية، عند مواجهة التركة الاستعمارية وآثارها الكارثية.

شيقة هي الملفات المذكورة أعلاه وشائكة أيضا، ولا تحيل في نهاية المطاف، إلا على محمولها الذاتي....  تراجيدي الوقع والإشارة. ولكن المجال لا يتسع الآن للخوض التفصيلي في خباياها، فهناك الكثير الكثير من الأمثلة الدالة على براعة الغرب في اختراع ما هب ودب من أشكال التفسير للحرية، وربط تلك الفكرة الكونية الرائعة بالمكان مرة ـ الجغرافيا الطبيعية والثقافية ـ أو بالعرق الأبيض ـ سيد المكان وأسطوري التفوق ـ مرات أخرى. وهذا الربط، وليد منطق القوة لا غير، فتح الباب على وسعه أمام الغرب لتحقيق مستوى رفيع وثابت من الحرية الحقيقية داخل إطاره الجغرافي، ولا تجادل هذه الكلمات حول قدسية الحرية وارتفاع سقفها داخل ذلك الإطار وعلى كافة المستويات، الشخصية والعامة، فما تم الوصول إليه في سياق تأويل الحرية وتحويلها إلى فعل يومي هناك، يشير بوضوح، إلى طاقة جماعية خلاقة، قادرة على استلهام الروح الإنسانية العظيمة التي بشرت بها الثورة الفرنسية، وتحويلها إلى عقد اجتماعي وإلى قاعدة للحكم وإصدار القوانين.

أعاد الغرب ترتيب أوراقه من جديد، بانيا، داخل حدوده الجغرافية، مملكة للحريات والقوانين العادلة ومبادئ التسامح وحقوق الإنسان، تاركا الآخر ـ خارج الجغرافيا ـ أن يتابع وحده مأزقه الوجودي الذي شارك هو ـ الغرب، عبر احتكاره الأناني للحرية، بأسباب ظهوره: الاستعمار، إسرائيل. ثم حافظ على استمرار المأزق وتعميقه عبر ربطه لمصالحه الاقتصادية المقدسة بمجموعة من الوكلاء التجاريين: الأنظمة الشمولية ومجموعة الطغاة الذين يشكلونها، وللعالم العربي، حصة الأسد، من المثال الأخير، فقد تفوق الحاكم هناك، بجدارة، على نظيره الأمريكي اللاتيني والأفريقي في مستويات القمع الممنهج للناس، ونهب ثرواتهم وإفساد أو تهجير عقولهم الوطنية. وأبدع تاليا، برفع دور الوكيل التجاري إلى حدوده القصوى، فهو يدفع، من ناحية، بكوادره المبدعة للبحث الدائم عن أمكنة آمنة وصالحة للعيش ـ الغرب بالطبع ـ. وهو يمتص، من ناحية ثانية، ثروات البلاد المحلية ويلقي بها في البنوك الغربية، ويتابع بين هذا وذاك فقرات حفلته الأثيرية: تعميم الأمية وليس القضاء عليها، مصادرة الآراء ودوافع الإبداع، تعميد السجون كفكرة مركزية في الثقافة الاجتماعية السائدة، القتل العلني أو السري للمعارضين والقائمة تطول.

تجاوز النظام العربي، بعبارة أخرى، دور الوكيل الطيب للمصالح الغربية، لينصب نفسه ـ بعلم أو دونه ـ حارسا ومنفذا لأفكار التفوق العرقي الغربية إياها. كما تجاوز الغرب هوس البحث عن وكلاء لمصالحه، إلى حدود التماهي الإجرامي مع تلك الأنظمة الوحشية، فرعاها بإخلاص وقلل من فرص التخلص منها.

بين وحشية الأنظمة ـ الوطنية ـ وأنانية الغرب المفرطة، كان على العربي أن ينتظر، على امتداد القرون الماضية، لحظة ترتد فيها الأمور إلى نصابها الطبيعي، وهي اللحظة التي لا تجيء عادة من تلقاء نفسها؛ إذ لا يمكن الرهان على ـ صحوة ضمير غربية ـ تسترد الحرية من خلالها جوهرها الكوني الواحد وتلقي بتفسيراتها المفترضة والمسلطة جانباَ، لتدفع الغرب ، بالتالي، إلى القفز عن بنيته الراسخة: أفكار التفوق العرقي الدفينة، والنظرة الضيقة لمصالحه الاقتصادية وآليات تحقيقها. كما لا يمكن أبدا الرهان على ـ ولادة جديدة ـ للنظام العربي؛ فلذلك النظام بنيته المعقدة وثقافته الرخيصة التي ترى في ـ الحاكم ـ تمثيلاَ مصغراَ لقوة إلهية لا يسمح، وفقاَ لأحكام التفسير الأرعن للنص المقدس، أن تمس أو تهان، ليكون الرهان، والحال هذه، على طاقة افتراضية تدفع بتلك البنية إلى الانهيار من الداخل، هو محض رهان خاسر دفعنا، في انتظاره طويلاَ، تلك الضرائب المدمرة، المذكورة أعلاه، وغيرها الكثير. ليصبح تفكيك البنية الوحشية تلك هو مرهون، دائما وأبدا وفقط أيضا، بقوة الدفع الجماعية الخلاقة التي عشناها في سيدي بو زيد التونسية، في القاهرة، طرابلس وعمان، في درعا والمنامة وصنعاء، إلى آخر قلاع الظلام التي تتهاوى وتلك التي تنتظر.

للغرب أن يواصل، كما يحب ويشاء، فانتازيا التفسير الذاتي للحرية. أن يصعد بها إلى سقفها الأعلى داخل حدوده الجغرافية، وأن يفصلها ويفسرها على هواه، خارج تلك الجغرافيا، فتلك بنيته وثقافته الجميلة ـ في الداخل ـ، وشديدة القبح في الخارج، وتلك مصالحه الأنانية العصية على التجاوز.

أما نحن، الجيران على هذه الأرض، فعلينا أن نرابط، مرة والى الأبد، عند جوهر الحرية الفعلي. جوهرها الإنساني العظيم، فلا خلاص إلا هناك، ولا استرجاع ممكن للحياة الممكنة إلا من هناك: من كياسات سيدي بو زيد وميادين القاهرة، ومن تلك الحارات العتيقة الجميلة في دمشق.

 

 

  4   

إلى أين تسير تونس؟

كان يجدر بهذه الكلمات القليلة القادمة أن تواصل الاحتفاء بعرس الريادة التونسي الجميل. وأن تتابع الرقص على إيقاع موسيقاه... بفرح الحزين ونشوة المُنتظر. أن تعيد صياغة مفردات الشكر والعرفان، مرة تلو الأخرى، فما قدمناه لتونس، حتى اللحظة، لا يعادل فقرة واحدة من فقرات عرسها، ولا يطال بأي حال ما دفعته البلاد من ألم ومواجع في الطريق إليه.

كان يمكن لهذه الكلمات أن تواصل الفرح، أن لا تكون كما  أحسها الآن وأسوقها: قلقة، مقلقة، خائفة ومتوجسة، وكثيرة الأسئلة. فهناك، فعلاَ، ما يثير الخوف ويدعو للقلق، وهناك ، بين هذا وذاك، ما يرفع من وقع السؤال المركزي: سؤال تونس، وما تسير إليه؟؟

إلى غدها المنشود تسير تونس. هذا هو الجواب الأوليً المفترض. إلى فتح باب جديد في قلعة الحرية الموصدة، تلك التي بقيت موصدة على امتداد العقود/ القرون الماضية، وها هي، بالعزيمة والصبر والرغبة في العيش الكريم، تفتح أبوابها تباعاَ، وتقول ادخلوا...... ولكن ؟؟

في تونس الآن من يغلق الأبواب العظيمة تلك، أو يحاول. من يعمل من خلف كواليس غامضة تماماَ،على منع الدخول الحتمي للحاضر في غده ويسد منافذ الأفق. وهناك من يعمل علانية، من أمام الكواليس وليس من خلفها، وتحت شعارات مختلفة – وطنية الإيقاع – على تثبيت رؤيته هو لمظاهر الحاضر وصورة المستقبل، ولا يحقق في النهاية، مدركاَ أو غير مدرك، سوى النتيجة عينها: شد البلاد بعيداَ عن أبواب مستقبلها وأحلام أهلها، ليلتقي هنا، في خندق واحد مع الأيادي السوداء العاملة من وراء الكواليس، ويحقق أهدافها.

لا أعرف شخصياَ وسيلة ممكنة للتعريف بتلك الأيدي، أو تحديد أسماء أصحابها، فهناك الكثير من الأسماء، والعديد من العناوين، مع التأكيد هنا على أن واقع الحال هو الذي يفرض هذا النوع من القراءة للمشهد التونسي وليس الرغبة بالبحث عن مؤامرات خفية وفتنٍ ممكنة، فما يقوله الشارع هناك هو الأساس، وما يفرضه المشهد من وقائع وأسئلة يقود، إذا قاد، إلى أول الخيط المؤدي إلى تفكيك حمولته وتفسير خباياه.

تفاصيل المشهد:

1.. فرَ رأس النظام برأسه، في ذلك المساء الاستثنائي من يوم الرابع عشر من يناير 2011 ، ولم يفرَ النظام، بقيَ هناك ممثلاَ عبر حلفه التقليدي مع أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة ومن يمثلها في الواقع.

2.. فرً رأس النظام، ولم تفَر الأجهزة الأمنية المدجنة بعناية في بيت طاعة الزعيم  ومن لف لفه، فهي هناك إلى الآن، وإلى الآن لا تزال تتغذى على ثقافة إلغاء الآخر: المواطن، وتحبسه في خانة ـ العدو المحتمل ـ، على الرغم من غياب بعض رموزها الكبيرة في الداخلية، أو تفكيك جزء من أضلاعها الكثيرة بعد الثورة، فقاعدة العمل لا تزال عينها، والمصالح كذلك.

3.. تلاشى حزب التجمع الدستوري: واجهة النظام وقلعته العتيدة، قانونيا فقط، عن ساحة العمل الوطني، ولم يغب فعلياَ؛ فالحزب الذي ضمً قرابة المليون من الأعضاء والموالين، وتغلغل في كل مناحي الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، لا يمكن عزله أو تحييده بقرار مركزي من هنا أو هناك، فتلك النتيجة مرهونة أبداَ بتوفر مناخ ديمقراطي حقيقي، وتنافس طبيعي بين الأحزاب وليس عبر منطق الاجتثاث مجهول العواقب؟

لا يسمح المجال الآن للتوسع أكثر في موضوعة الاجتثاث هذه، لشدة أهميتها وحساسيتها أيضا، وحاجتها للبحث المعمق بالتالي، فما يهمنا الآن من الحكاية هو الجزء المتعلق بالرسالة التي  تلقاها حزب المليون ذاك: - مخالب الاجتثاث تقترب من العنق - والنهاية قادمة بلا شك. وهي الرسالة التي وفرت للتجمع مزيدا من مبررات الدفاع عن النفس والمصالح والسعي الحثيث لاسترداد المكانة السابقة ولا حدود مزاياها، عبر إشاعة أشكال الفوضى، المعدة بعناية ، في عموم مناطق البلاد.

4.. لعب الجيش التونسي دورا سريعا وحاسما في إقصاء رأس النظام، وإبعاد أشباح العنف المجاني وإراقة الدماء، محققاَ لنفسه، بذلك، مكانة فريدة في قلوب مواطنيه، وإجماعا قل نظيره من حوله.

استمر ذلك الإجماع لأسابيع قليلة تلت الثورة، لم نسمع أو نقرأ خلالها شيئاَ يعكر من صفاء صورة الجيش، أو يشكك مرة بنزاهته، ثم تبدل الحال، بضربة واحدة تبدل الحال، ودخل الجيش دائرة النار مواجهاَ لعديد الأسئلة والتهم:- دور نخبته، المزعوم، بتأمين خروج آمن لرأس النظام، والعمل، في آن، على استمرار النظام نفسه، تحت رايات جديدة وبأسماء بديلة، لا أكثر-؟ ثم :- اتهام الجيش بالتقصير المتعمد في حفظ الأمن العام، وإفساح المجال أمام عودة الأجهزة القمعية التقليدية لتواصل  بطشها المعروف -؟ وأخيرا وليس آخراً، يواجه الجيش الآن تهمة:- الإعداد الخفي لخطة انقلاب عسكري على السلطة ، في حالة فوز حركة النهضة بها عبر الانتخابات القادمة-؟ هذا يعني، إن سلمًنا بصحة الاتهام، تحويل البلاد إلى غابة لحرب أهلية قذرة، لا يربحها أحد، ولا يدفع ثمنها الوحشي، سوى الشعب التونسي وحده ؟؟

5.. ليس من الجديد القول بأن الغرب من ناحية، والأنظمة العربية المستبدة، من ناحية ثانية، حاضرين أيضاَ في ثنايا المشهد التونسي، ولكل منهما أجنداته الخاصة هناك. فالغرب، مزدوج المعايير عادة، لا يستطيع تجاوز، أو تغيير، نظرته التاريخية للمنطقة العربية وحاجات شعوبها، فهي منطقة مصالح حيوية هامة، عنده، وعليها أن تتابع ذلك الدور المنوط بها، من خلال أنظمتها الشمولية لا غير. ليكون التغيير الهادر الآن، بالنسبة للغرب، مصدراَ للقلق وتهديد المصالح، وعليه بالتالي الدفاع عن وجوده هناك، وعن أنظمته الفاسدة.

أما الأنظمة العربية، تلك التي لم تصلها رياح التغيير بعد، فهي مشغولة تماماَ بالبحث عن مخارج ممكنة لازمتها الوجودية الأخيرة هذه، بالتخريب مرة، وافتعال الأزمات مرات أخرى، فصد رياح التغيير عن قلاعها المظلمة يتطلب، أيضا، منع الرياح من الدخول إلى القلاع المجاورة: البحرين. ليبيا. اليمن . سوريا. والعمل قدر المستطاع  على إعادة بث الروح في أنظمة القلاع التي سقطت: تونس ومصر، وبصرف النظر عن الكيفية والثمن، فالمهم هو الهدف القبيح : بقاء الحال كما هو عليه في القلاع المتهاوية. وإعادة المياه إلى مجاريها العفنة في القلاع التي تهاوت.

تلك هي، على الأغلب، بعض ملامح المشهد التونسي حالياَ، وهي مجرد عناوين في نهاية المطاف، قد توفر سبل الوصول إلى ما خفي من أيادِ تدير اللعبة في الظلام. ناهيك عما يدور من أحداث صريحة على الأرض، أمام الكواليس، هذه المرة، وليس من خلفها، وبنوايا طيبة عادة:- صراع الأحزاب القديمة والجديدة على نصيبها من قلوب الناس ومواقع قيادتهم. وعبر خطابات لا تمثل، غالباَ، حقيقة أهدافهم وأحلامهم، إذ لا معنى الآن، على سبيل المثال لا الحصر، لتوتير العلاقة بين أحزاب اليمين واليسار. ولا اللعب، غير البريء، على موضوعة التحذير من ـ أسلمة قادمة للمجتمع - تُفقد المرآة التونسية  تاريخها ومكتسباتها المشرفة. ولا التلويح، في المقابل، بتلك ـ الأسلمة الموعودة ـ التي ـ سترد المجتمع إلى جادة الصواب وجنان الدين الحنيف -؟ فلا التلويح بتلك الأسلمة بصحيح أو مطلوب. ولا التحذير، العصبي، منها أيضا. ولا  رابحِ في نهاية المطاف، عبر ذلك الصراع، سوى الأيادي السوداء من خلف الستار.؟

الرهان الوحيد:

هو الشعب التونسي بلا أدنى شك.

هي الجموع الغفيرة والجميلة التي تجاوزت أحزابها ومنظماتها ورهبة نظامها الوحشي في لحظة فريدة من التاريخ وخرجت إلى الشوارع والساحات، بتصميم وعزم نادرين، لتعيد ترتيب البيت  المُنهك والحزين.

الجموع الجميلة تلك، هي، الوحيدة القادرة الآن على حماية ثورتها وحاضرها وآفاق مستقبلها. وهي الوحيدة القادرة على كشف ما يدور من خلف الستار، وتعطيله أيضاً، وهي الوحيدة، مرة أخرى وأخرى، التي تملك حق الإجابة المُنتظر عن السؤال المركزي: سؤال تونس، والى أين تسير؟.

 

  5   

نشيد الإنشاد السوري

ماذا كنا ننتظر: ورودا يوزعها رجال الأمن على الصبايا في شوارع درعا الحزينة؟ قصائد حبِ تعلقها فروع الحزب على الجدران والساحات في دوما ودمشق؟ أم خروج الرئيس إلى المنصة باكياَ، صارخاَ في الفضاء المعمد بالدم: أعتذر. أعتذر لأنني أنا أنا، لأنني هنا. لأني وريث أبِ فاشي النزعة والتراث، لأني صرت واجهة لحزبِ تفنن في اختراع وسائل الإقصاء والإلغاء والقتل الممنهج؟ وأعتذر عن كوني الممثل الفعلي لهذا التحالف الشيطاني بين غرائب الصدف وأصحاب المصالح وثقافة الحكم البليدة والجنون الكلي للمراحل السابقة، وهاأنذا أتنحى... أعيد لكم حيواتكم وأحلامكم وأزقة بلداتكم... وانصرف: فقد وصلت الرسالة، بوضوح الدم والعذابات اللحظية وصلت. بهذا التدفق الشمولي العظيم وصلت، وما عليَ الآن سوى استلهام المعنى التونسي والمصري، وتجنب النهايات الحتمية للعقيد الليبي واليمني ، وهاأنذا ارحل؟؟

من كان منا ينتظر مثل ذاك النشيد... فلينتظر المزيد من الجثث.

من كان منا ينتظر، خروج النظام من جلده.. فلينتظر المزيد من حصار المدن والقرى وقطع الكهرباء ووسائل الاتصال.

ومن كان منا ينتظر لحظة انقلاب البنية الدموية على نفسها، وتلاشيها من الداخل... فما عليه سوى انتظار القتلة، وإمعان النظر أكثر في صدق المشاهد القادمة من عموم مناطق البلاد، فالصورة  أرقى وأوضح، ونداء الاستغاثة الهادر على الطرقات أعلى من عواء أبواق النظام وسدنة هيكله الإعلامي الباهت والمتداعي مثل بيوت القش.

أقول لمن صدق كذبة النظام عن الإصلاح وإلغاء القوانين التعسفية، وراح ينتظر الخلاص المرتقب عبر سيرورة انتقال طبيعية من عمق الظلمة إلى أول النور: ما عليك سوى فتح الأرشيف السوري الممتد إلى عقود طويلة أربعة، لترى الأمثلة تجر الأمثلة وتستحضرها... من مصادرة الرأي الآخر، والزج بالشعراء والكتاب وباعة الخضار والمكسرات... بذنب الحلم وحده... في السجون القبيحة شكلاَ ومعنى. إلى  جعل الإرهاب والترهيب ركائز حكم شامل وتسلطي يختصر الحاضر عبر دوافعه الذاتية للبقاء، ويختصر الناس إلى مجموعة هلامية من الكائنات المعدة، في كل يوم، للفتك بأحلامها وأرواحها وسعيها العادي، جد العادي والبسيط، للعيش في ظل حرية، مكتسبة أصلا، في المكان الأم.

من يصدق النظام... فليصدقه: تلك بلاهة المجرب حين يعود إلى الحفرة إياها. وتلك، وهذا هو الأخطر والاهم، وسيلة دفاع ذلك النظام عن نفسه أمام العالم:- نريد فرصة ثانية، فها نحن نصلح ونبني ونلغي القوانين القديمة - المعدة لقتلكم. وما عليكم الآن سوى الرجوع إلى بيت العائلة، لنعمل معاَ، على اكتشاف خيوط المؤامرة الأمريكية الصهيونية الرجعية السلفية الطائفية  التي وصلت إلى باب غرفة النوم، وراحت تهدد متعتنا المشتركة ودفء الوصل بيننا ؟؟

يتابع النظام، بلا كلل أو ملل، ترديد نشيده الملحمي العقيم ذاك، وترد أبواقه الكثيرة الصدى. وحين تفرغ جعبته يعود إلى لازمته المفضلة، تلك الأكثر مدعاة للسخرية والاحتقار: لازمة ـ الممانعة - ونظيرتها الدائمة: - المقاومة - ، معتمداَ، هناك، على حقيقة وجود العدو الذي ـ يقاومه النظام ويمانع ضد الصلح معه ـ في الجولان المحتل وقرب الحدود الآمنة.... الآمنة دائما وأبدا، انسجاما، بالطبع مع روح الاتفاق، غير المعلن، بين النظام و ـ عدوه اللدود ـ  إذ يقوم الأول بتأمين الحدود وضرب احتمالات تهديدها. ويعمل الثاني على استمرارية الأول ودوام سلطته. وكانت إسرائيل، انسجاما مع بنيتها العنصرية الصارخة، قد ساعدت، بل عملت أيضا، على استقرار تلك الأنظمة الوحشية المحيطة جغرافيا بها، وتلك الأخرى، الأبعد قليلا عنها، فتحالف الشياطين المستمر ذاك يقضي، أولا، بعزل العربي عن محيطه الطبيعي، وفضاء انشغالاته الإنسانية، ودفعه، بعديد وسائل الاضطهاد بعيدا عن قضيته المشتركة: فلسطين.

ممانعة ومقاومة وثرثرات لا تنتهي عن قلاع الصمود وفنون التصدي، وعلينا أن نصدق. على السوري الذي يتحسس رأسه صباح مساء، ويهمس همسا لجاره.... إن غامر وهمس؟ بشكواه وسوء أحواله... فالحيطان لها آذان، وعواقب البوح البسيط لها ما لها من صور وطرائق تعذيب. عليه أن يصدق، وأن يحتفي بالممانعة التي لم  يعرف منها سوى قدرتها على منعه هو من الحلم... أن يتلو آيات المقاومة مع صلواته الخمس وفي ابتهالات الكنائس ، مدركاَ، أن المقاومة في عرف النظام وفكره  لا تعني أكثر من مقاومة المد الهادر للناس نحو الحرية، وأن الصمود الوحيد الذي تحقق على الأرض، هو صمود الجدران العالية التي شيًدها النظام ولف بها المكان وأفراح أهله، ولا شيء أكثر.

تنهار الجدران تباعاَ.... ها هي تنهار: بضربة هنا وأخرى هناك، بدماء هذا الشهيد في درعا وذاك في بانياس ودمشق.. تنهار، كما تنهار هلوسات النظام وأكاذيبه القديمة: - الإصلاح المنتظر. التغيير. محاربة الفساد. المقاومة ـ إلى أخر الهذي الأثير.

من يصدقً النظام الآن، الأمس وغداَ، لا يدفن رأسه في الرمل فحسب، بل يقف طائعاَ إلى جانب الموت: نقيض الحياة. إلى جانب الألم: نقيض الفرح. إلى جانب القتل: نقيض الولادة. فلا مكان هنا، بين الشيء ونقيضه، لخيار ثالث، لأن المعادلة واضحة هنا وصارخة، ولا تحتمل الكثير من الجدل والتأويل: إما الحياة وإما عكسها؟؟

أنا الموقع أدناه، وصديقي السوري العائد للتو من عنف اللحظة الهادرة هناك وارتفاع معانيها. وجارتنا العجوز، شامية الأصل والهوى: لا نصدق غير الدماء الزكية على جوانب الطرقات في درعا. في الساحات الخلفية لدمشق. غلى امتداد الطريق المؤدي إلى البحر في اللاذقية. في حماة. حمص. دومة وبانياس.

لا نصدق غير الأمل، ولم نكن ننتظر، بين هذا وذاك، وداعة مستحيلة أو ورودا توزعها الأجهزة المتغولة على الناس، أو أن  يخرج الوريث إلى شعبه ويقول: اعرف أوجاعكم وأحلامكم واعتذر.

كل ما كنا نصدقه. ونحتفي به الآن وننتظر غده، هو هذا النشيد البديع، نشيد الحياة: نشيد الإنشاد السوري.

 

  6 

من أنتم..... ؟؟

يعود  السؤال أعلاه، بجدارة خالصة، إلى العقيد الطاغية.. ابن البادية والخيمة وصائد الجرذان في الزنقات والبيوت والسيد المطلق لكل الحماقات ونظريات اللاجدوى.

فحين يخطر ذاك السؤال ـ من انتم ـ على البال، يحضر العقيد، دون غيره، على الفور، وتحضر معه تلك اللقطات الخالدة التي تعكس شكلا من أشكال الصدق المتناهي مع الذات والآخر، إنه الصدق الذي لم نعرف له مثيلا يذكر، عند الحاكم العربي، ولم نشاهد، من قبل، تطبيقاته الصريحة على الأرض كما نشاهدها اليوم ونكتوي بنارها.

اصطدم العقيد، دفعة واحدة، بحقيقة وجود الشعب الليبي، وكانت الصدمة أكبر حين أعلن ذلك الشعب عن نيته بخلع القائد ـ المعادل الفنتازي للمكان وأهله ـ وإعادة الحياة إلى مربعها الأول، شديد البساطة والمٌغيب أبداً: هذه القطعة من الجغرافيا تُدعى ليبيا، وهذه المجموعة السكانية التي تقطنها هي الشعب الليبي، وما هذا العقيد الذي تجتمع في شخصه كل المكونات التي يتشكل منها - الحاكم العربي ـ الغباء المفرط. الإحساس اليقيني بتمثيل الله على الأرض، والقدرة على إلغاء الآخر إلى حدود عدم الاعتراف بوجوده أصلا. ما هو، أي العقيد، سوى عابر ثقيل الظل، طال مكوثه فعلا، وما عليه الآن سوى الرحيل.

لم يتمكن العقيد من امتصاص صدمة اكتشاف شعبه تلك، والتعامل بحكمة، غير منتظرة، مع الحقيقة ـ الجديدة ـ وتجلياتها، فأعلن، بصدق قل نظيره، عن لا محدودية الصدمة وطاقتها على اجتراح الغريب من ردود الفعل والجديد من المفردات، فجاء سؤاله الشهير ـ من أنتم ـ معبراَ صريحاَ عما يدور في خلد القائد العربي عامة من تصورات قبيحة عن فلسفة الحكم وماهية الآخر، الشعب، إن وجد؟ فها هو العقيد يصرخ عاليا من عنف الصدمة:- من انتم -، وحين يتناهى إلى مسامعه الجواب من شوارع المدن الليبية المترامية: ارحل. يتنازل الرجل ويعترف بوجود مجموعة ما، غريبة عن المكان، زاحفة من كوكب آخر لتدمير الجنة، وـ سلفية. عميلة للقاعدة والامبريالية والصهيونية ـ وغير ذلك من قوى غريبة تتربص بالجنان العربية الفاتنة؟؟

تنازل العقيد واعترف بوجود مجموعة غريبة وتخريبية المقاصد، ثم تنازل أكثر، انسجاما مع حركة ارتفاع الصوت في الشارع، واعترف

بوجود كتلة سكانية فوق التراب الليبي، ولكنها كتلة ـ مريضة - ملوثة بحبوب الهلوسة - وأوهام الوجود، إنها مجرد شيء ما يُعادل ـ الجرذان ـ لا أكثر، وما على العقيد، حارس الجنة، غير مواجهة الهجوم، وتنظيف جنته من جرذانها.

يمكن لحكاية العقيد أعلاه أن تشكل بذرة رائعة لنص شكسبيري أو ماركيزي، ففيها من المأساة والملهاة وخفايا النفس البشرية، ما يصعد بها إلى حدود وتألق (الملك لير) و(هاملت) لشكسبير. أو( خريف البطريارك) و(ليس لدى الجنرال من يكاتبه) لماركيز. وقد يأتي الوقت الذي تتحول فيه الحكاية الدموية هذه إلى نصٍ إبداعي، ومتميز أيضا، أما اليوم فيمكن اعتبار حكاية العقيد مع شعبه، وسؤاله العبقري: من أنتم، بمثابة المفاتيح السحرية التي ندخل بها إلى مغارة فكر التسلط العربي برمته، لنعثر هناك على ما هب ودب من تعاويذِ ونصوص دينية وأخرى ثقافية ساهمت، مجتمعة، بإنتاج هذا المسخ الذي نعرفه اليوم عبر صفاته المتداولة:- الزعيم العربي - القائد الملهم - إلى آخر الألقاب التي يحملها ملوك الأرض والسماء ورؤساء الأبد وما بعد الأبد، أيضا، بكثير.

في تلك المغارة المظلمة يبرز سؤال العقيد أعلاه بجلاء مثير، فعبر ذلك السؤال تحديداَ يمكن للمرء التوغل شيئا فشيئا في سراديب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، حيث يتمتع الحاكم هناك بسلطة شاملة وشمولية، تعادل، على الفور، سلطة الله وحده لا غير. وحيث المحكوم هو اللاشيء بالمطلق. ليكون السؤال ـ من أنتم ـ والحال هذه، هو الأساس الفعلي الذي قامت عليه ثقافة الحكم العربية بالكامل، وهي الثقافة التي أنتجت بسخاء متواصل عشرات القذافي ومثله الأسد.

قبل أن يعلن العقيد بقليل عن صدمته المدمرة بوجود شعبه، كان مبارك يعلن، عن صدمته، هو الآخر، بوجود الشعب المصري: - إما أنا أو الفوضى ـ وهي الكلمات التي تحمل بين طياتها السؤال الأثير إياه ـ من أنتم - ؟ والذي يشير، في حالة مبارك، إلى الإحساس الفعلي بإلوهية خالصة، تجيز للإله الأب حق إصدار الأوامر بإخلاء ميدان التحرير وبكل الوسائل... قتل الثوار بعبارة أخرى. وهي الوسائل عينها التي أمر زين العابدين باستخدامها مع ثوار شارع بورقيبة. وكان الأخير قد قدم اعترافا مزدوجاَ، قبل أن يهرب بقليل، حين أعلن عن وجود الشعب التونسي، وعن استعداده هو، القائد المخلص، لاستيعاب رغباته: - فهمتكم -.

كان السؤال الصريح: - من انتم ـ هو القاسم المشترك بين الأنظمة الدموية التي سقطت. أو تلك التي تستعد للسقوط الحتمي: العقيد الخفيف الباحث الآن عن وسيلة للهرب من وكر الجرذان: علي صالح الذي حط رحاله، جريحا أم مخلوعا لا فرق، في جحيمه السعودي الأخير. ثم الأسد، المحمول على أكف الأطفال وعذاباتهم إلى مصيره المنتظر.

عند الأسد والنظام الوحشي، بكافة المقاييس، الذي يمثله، تتجاوز ثقافة الحكم العربية البليدة نفسها ومخزونها، لتكشف عن طاقة امتصاص فذة لكل ما هو رديء ودافع على التقزز في التجارب الكونية المشابهة:- النازية، الفاشية، والقومية الحمقاء ذات البعد الشوفيني، الستانيلي المرجع والأداء -، فها هو النظام، منذ تولي الأسد الأب السلطة وحتى الآن، يمزج ببراعة بين تعاليم المدارس المذكورة أعلاه وتلك التعاليم المقدسة، عربية الأصل، ليخرج علينا بهذا المستوى غير المسبوق من القباحة والشرور التي تتوالد من بعضها البعض، بلا كلل أو ملل، وعلى امتداد العقود الأربعة الماضية.

خلاصة مدارس الشر وتعاليم الإلغاء المباح للآخر هو النظام السوري، فلا رادع أخلاقي منتظر يمكن التعويل عليه لإيقاف ذلك النظام الممعن في صناعة الألم إلى حدوده القصوى. ولا أثر إنساني واحد في سلوك آلة القتل الممنهج تلك، فالفكرة أقوى هناك من الدوافع الأخلاقية أو الإنسانية العامة، إنها فكرة النظام عن نفسه.. عن تفوقه.. عن صلاحيته المطلقة للبقاء والتسًيد، وهي فكرة النظام العربي الأثيرة:- من أنتم ـ وبثوبها الأكثر عنفاً هذه المرة.. حيث لا شيء إلا القتل في سوريا، لا شيء إلا القتل من أجل القتل هناك.

من أنتم..؟ هو سؤال اللحظة الراهنة بامتياز، هو سؤال الوجود العربي الذي حولته الأنظمة القذرة إلى دستور حكم مقدس، وما علينا الآن.. نحن ضحايا السؤال الوحشي وتطبيقاته المرعبة، سوى اجتراح الأجوبة... الأجوبة الأخيرة، تلك التي نحتفي بها اليوم وغدا فوق شوارع بلداننا الزاحفة، بلا ترددِ أو وهن، نحو الحرية .

 

 

  7 

أن تكون فلسطينياً؟

بعد قليل، في المسافة الفاصلة بين مطلع النص والخاتمة، ستجيء فتاة إلى حاجزٍ بين شارعين وتنتظر. قد تنتظر دهراً، وقد تملً الانتظار وتنصرف. سيمرُ الجنود على الأزقة، كل الأزقة، ويرصدون اللهاث.. الكلام .. الهواء. ستأتي مجندة لا تعرف الفرق بعد، بين مفردة الحب والحرب، إلى عاشقين على الطريق إلى المدرسة وتصادر الطريق. سيحكي العجوز المهاجر من قرية لم تعد قائمة حكايته من جديد. وتلقن الجدة المجربة، للمرة الألف، حفيدتها المشاكسة فنون الزغاريد والتطريز. سيدخل الصبي للمرة الأولى سجن المدينة الكبير، ويخرج آخر. سيكتب الشعراء المزيد من القصائد. ويكتشف المغني صوته. والكاتب فكرته. والصبية صدرها. وربما، يعود السياسي من جولة في الفراغ المكلل بالمدائح والأمنيات، ويعلن توبته عن زراعة الوهم وانتظار اللاشيء؟

في المسافة عينها، ستزف فتاة إلى عريسها في القرية المجاورة. وتعلن أخرى، بصرخة الولادة الهادرة، عن طفلها الأول. سيتأتأ طفل في سيدني بحروف المكان البعيد، ليعرف لحظتها أن حرفي السين والطاء حين يجتمعان لا يدلان إلا على شيء واحد. وأن الهوية فكرة مدوية تعشعش في خبايا الروح. سيعرف ذلك الطفل المولود في سيدني لأم قمحية اللون وأب يميل بلونه للسمار الخفيف، أن التشكل الكوني للأشياء ناقص، وأن لمحة الحزن المريرة في عيون الأب، ولوعة الآهات في أغاني الأم، لا يتفقان وهذه الجغرافيا الجديدة. فهناك ما هو ناقص. ما هو منشود وباعث على الوجع.

بين المطلع والخاتمة ستأتي الأوامر للجنود بقتل الصبايا والشباب على الطرقات.... ليس طرقات المدن المُحتلة وحدها، بل كل الطرقات الأخرى في الجوار العربي، فالحال واحدة وان تنوعت الأسماء والأوهام.. هنا القتل من أجل السيادة والبقاء المرهون بإلغاء الآخر. وهناك القتل من أجل السيادة والبقاء المرهون بإلغاء البلاد والعباد. هنا القاتل من أصل روسي وبولندي وألماني، وهناك القاتل سوري المولد واللسان. يمني اللكنة والوجه. ليبي الطلة والفكرة. سعودي المنبت، بحريني. و. و.... إلى آخر القائمة السوداء.

سيعرف الفلسطيني الآن، ويعرف العربي أيضا، أن لا فرق بين القتل والقتل. بين القاتل هذا وذاك. أن لا فرق يذكر بين طقوس الجنازات هنا أو هناك:

سيحمل الفلسطيني شهيده ليدله على الطريق العظيمة للخلود ببعض الآيات والدعوات وزغاريد النسوة الباكيات. كذلك يفعل السوري والليبي واليمني. حتى أسماء الشهداء لها ذات الإيقاع : أحمد، هنا، ومحمد هناك. هناء هنا وهيفاء هناك. لا فرق. لا فرق إلا في التفاصيل الأولية للحكاية، في خروج الأساطير من كهوفها، واختراع المزيد من الألم: قبضة التوراة وعسفها هنا. وخلافة الله على الأرض هناك. وجه العملة الأول يماثل الثاني ويكمله، والضحية واحدة في الحالتين، وربما النهايات الأكيدة القادمة أيضا.

أن تكون فلسطينيا، يعني، أن تُمثل وتتمثل كل المشاهد المذكورة أعلاه. أن تكونها دفعة واحدة. أن تسير ودمع الفتاة العائدة من الحاجز ينساب على خديك ويحرقك. أن تكون اللهاث، الكلام، والهواء الذي يصادره الجنود بلا رحمة أو وجل. وتكون القصيدة والصبية  والسجين والشهيد والطريق إلى المدرسة، وتنسى، دائماَ تنسى، فوائد النسيان. غوايات النسيان، فالنسيان نقيضك الأبدي. نقيض الطفل في سيدني. نقيض الولادة والعرس المجاور، نقيض الدرب الطويلة للناصري الجميل. فعليك أن تحيا وتنسى فتنة النسيان. وأن تعيش بذاكرة واحدة.

أن تكون فلسطينياَ، يعني: أن تكون الضحية. ليس أكثر أو اقل من رمز الضحية وارتفاع كعبها. إن أصبت أو أخطأت فأنت الضحية. كيف يمكن للضحية حين تُحشر، لعقودٍ سبعٍ مريرة، أن تصيب فقط، أو لا تصيب فقط؟ وأنت الضحية، مررت بكل الفصول والطرقات، أخفقت هنا وأبدعت هناك. صرت كناية للمستحيل، أول الضوء في زقاق الليل. وصرت كناية لليأس، واحتمالات التورط في البعد والنسيان.... لا بأس، فالحياة كفيلة بدروبها. بطقوسها. بغياب خطوطها المستقيمة والثابتة، وأنت وليدها، ضحيتها العالية، وما الرهان الآن سوى عليك: حين يسقط الشهداء في مدن الجوار.. تكون أنت. حين تغني الصبية في أقصى الجنوب التونسي... تكون أنت. حين يعلو الهتاف ويرتعد الطغاة... تكون أنت. فأنت الضحية في الحالتين.

بعد قليل، بين تشكل الكلمات الأخيرة وانفتاح الخاتمة. ستجيء فتاة أخرى إلى الحاجز، قد تمر وقد لا تمر. سيبحث العاشقين عن طريق جديدة. سيكتب الشعراء والكتاب. ويوقع عالم الفيزياء في جورجيا وصيته الأخيرة: أريد قبرا في الجليل.

بعد قليل، سأعد أنا، للمرة الثالثة، قهوة هذا الصباح، وأرقب عبر النافذة، كيف تسير الحياة، ها هنا، من تحتها، حيث يلهو الصغار مع كلابهم الوديعة ويطردون الوقت بالمتع الجميلة، باسمين، لا خوف يرصدهم ولا هواجس ممكنة، فلن تأتِ مجندة هنا لتعتقل الكلاب والأطفال والوقت البريء. ولن يعلو الرصاص على العواء والضحك اللذيذ. سيتعب الأطفال ويذهبون. سيحلمون بنوبة أخرى غداَ، وسيرجعون.

بعد قليل، أن تكون فلسطينياَ، الآن أو بعد قليل، فعليك أن تُحب. أن تحاول مرة أخرى .

أن تطارد فكرة العيش العظيمة دائما. أن تبقى الضحية في المدى والوقت، وتطرد النسيان، تحبسه، وتدخل للغواية من بابها الآخر، فالحب والنسيان لا يلتقيان، وعليك أن تكون جديراَ بهذا الحب، بهذه الذاكرة.

 

  8 

بين سطوة السماء..

وحاجات الأرض 

بين أسباب الأمل، وهي قليلة وعليلة عادة، ودوافع اليأس العديدة والحاضرة أبدا. يترنح العربي مثل فراشة متعبة، بين فتنة الضوء وغياهب العتمة... ويحلم بالنجاة، بفكرة سحرية تخلصه من عناء العيش وتحمله إلى فضاء مختلف ومنشود... فضاء البداية، متعة التحليق في أفق لا نهائي الإشارة والكثافة والدفع القوي إلى البقاء.. إلى التوحد في شروط الأرض: هذه الأرض، وما عليها من مواجع خالدة، أبدية الثبات، وما فيها من أبجديات عظيمة للفرح.

بماذا يحلم العربي، هو الكائن الأرضي، سليل المواجع كلها والأمنيات جميعها. هو الحامل، مثل كل الكائنات، سؤاله الوجودي الأثير: البقاء. الخلاص. والبحث الطبيعي عن مأوى لأحلامه الممكنة، هو المشغول منذ الأمس: قبل نزول رسائل السماء، قبل اختراع الحروف والأرقام بفكرة الوصل المثيرة.. عالية الوقع والمجاز، بين ما هو حاضر ومرئي، وذاك البعيد غير المرئي أو الملموس.. ولكنه المُنقذ الوحيد في آن.

هل يحلم العربي بغير ما يحلم به جاره الآخر على هذا الكوكب. ألديه وسيلة أخرى تقوده إلى السماء: النجاة. غير وسيلة ذلك الجار... لا قاطعة على الأغلب، فحبل النجاة الهش للعربي هو: حبل النجاة الهش للجيران، والأحلام واحدة هنا، وكذلك الأمل ودوافع اليأس. ولكن الجيران تقدموا خطوة، أو ربما أكثر، نحو التلاقي المنطقي بين حاجات السماء وهموم  الأرض، فأبدعوا نسقاَ يوازي بين المُقدس في السماء،والمُقدس الأرضي: الحياة. الأمن. الحب. الرخاء. إلى آخر كل ما هو أرضي المعنى ويستحق العناء. تم التصالح العبقري، بعبارة أخرى، بين الغيبي والمرئي، على قاعدة احترام الأول، والرفع من قيمة الثاني، لتبقى السماء حيث هي الآن.. جميلة وملهمة ومقدسة أيضاً، وتبقى الأرض تواصل سعيها الفطري نحو توفير المزيد من طرق البقاء، واكتشاف الجديد من أسباب الأمل.

إلى حدود بعينها، نسبية ومختلفة، نجح الجيران في خلق التناغم المُشار إليه. نسبية هي، لأن الكنيسة في أوروبا، على سبيل المثال لا الحصر لا تزال تحاول، بين الحين والآخر، فرض سطوتها ورؤيتها على هذي القضية، الأرضية، أو تلك، وبلا فرصة حقيقية تذكر، فقد تكفل العقد الاجتماعي القديم لهذه القارة ببقاء الكنيسة بين أسوارها العالية، وبقاء رجال لاهوتها في انشغالاتهم المكتبية، لا أكثر. في حين تُركت الأرض عهدة بيد الدولة المدنية: وليدة أفكار التنوير التي جاء بها عصر النهضة، لتسيير أمورها.

ومختلفة هي درجات تأثير السماء على الأرض من مكان لآخر أيضاً، فما تمارسه السماء من سطوة عالية على الإفريقي، الغارق حتى النخاع في شرور الفقر وأنواع الكوارث، لا يمكن مقارنتها بمظاهر السطوة الأقل التي تمارسها تلك السماء على الأمريكي اللاتيني مثلاً، وكانت البرازيل، في سياق المقارنة المعقود هذا، قد استُخدمت بكثرة مؤخرا كمثال يُقاس عليه في قراءة (تأثيرات المقدس) وتحليلها. وهي الدولة التي مارست فيها الكنيسة دوراً محورياً، تجاوز حضورها التقليدي في الوعي الجمعي للسكان، إلى حدود التأثير في صناعة القرار السياسي بفرعيه، الثقافي والاجتماعي، تحديداً: (حضور النصوص المقدسة وبكثافة في كتب التعليم المدرسي، من ناحية، وإقامة ما هب ودب من مشاريع اقتصادية صغيرة في الأحياء الجانبية المهملة من حول العاصمة، من ناحية ثانية).

لم تنجح الكنيسة، هناك، عبر كتبها المقدسة، ومشاريعها التعاونية (رعوية البعد) من رفع مستوى المعيشة بين السكان، أو الحد من نسب الارتفاع الهائل لأرقام العاطلين عن العمل، وانتشار الجريمة والمخدرات وغير ذلك من عذابات، وكان على الشعب البرازيلي انتظار مطلع الألفية الثالثة هذه، حيث بدأت من هناك، ومتواصلة حتى اليوم، معدلات النمو الاقتصادي بالارتفاع المذهل، الذي أخذ بطريقه الكثير من مظاهر الفقر والجريمة وإدمان المخدرات، كما أخذ، شيئا فشيئا، بإرجاع الكنيسة إلى أسوارها، ورهبانها إلى نصوصهم، لتحل الدولة المدنية، المنتخبة ديمقراطيا والمتحررة من إرث الحكم الشمولي الطويل للبلاد، مكانها، ممسكة بزمام الأمور، في مناخ من الحريات الحقيقية والمطلقة.

تراجعت، وفقاَ لعديد الدراسات المختصة، علاقة البرازيلي بكنيسته، وتراجعت تلك الكنيسة ـ بلا حروب أو تصفيات جسدية ـ عن ممارسة دورها التقليدي، لتفسح المجال أمام الدولة المدنية المختصة والملزمة بالعثور على حلول لمشاكل الأرض. وها هي البرازيل تتقدم باضطراد أخاذ نحو مستقبل أفضل، في حين تتابع كنيستها لعب دورها الأصلي: حاجات السماء، وليس أكثر.

تتنوع نسب التأثير السماوي وتختلف من مكان لآخر، تصعد وتهبط بانسجام تقليدي ومعروف مع متاعب الأرض، فالبشري، وليس الغيبي، هو من يحدد درجات السطوة السماوية، هو من يرفع تلك السطوة إلى حدودها القصوى، أو يخفضها. فرسائل السماء المقدسة، وصاياها وتعاليمها، لم تتبدل أو تختلف، هي هي منذ وجدت، كل ما يتبدل ويختلف هي طرائق التفسير والتحليل للنصوص المقدسة، ومن وقت لآخر، لتنسجم، دائماً وأبداً، مع مصالح الأنظمة الحاكمة ورجالات دينها.

عربية تماما تبدو حالة التفسير المزاجي والوقتي هذه لنصوص السماء، ومتداولة بطرق عديدة ومريبة، لم تنتج مجتمعة، سوى حالة من تعويم العلاقة بين العربي ومقدساته، في نهاية المطاف، ليبدو العربي، وفقا لحالة التعويم الإشكالية تلك، حاملا للعصا من نصفها، فهو الابن الشرعي لأوامر السماء، حين يلزم الأمر، وهو الواقعي، أرضي المشاغل، حين يلزم الأمر أيضاً. وهو، بين هذا وذاك، المترنح الأبدي، مثل الفراشة.... عاجزا عن دخول مدار الضوء، إن كان ضوء السماء، بعمقه الجميل والمحايد، أو هو ضوء الأرض ، وما عليها من متع وآلام.

ساهمت الثقافة العربية، مذ عرفناها وحتى الآن، في تعميق الأزمة بين سلطة السماء وحاجات الأرض، فهي الثقافة الأسيرة أبداً عند سلطان المكان. وهي الثقافة المترددة، إن لم تكن العاجزة؟ عن قول الحقيقة لحظة لا بد من قولها. وهي الثقافة التي لم تحارب، إلا نادراَ، على جبهاتها الأصلية: /الاجتهاد، التفسير، الإرشاد/ ولم تتمكن بالتالي من إنتاج سقف مرتفع لحريتها الضرورية والمكتسبة. ليس هذا فحسب، فقد دخلت تلك الثقافة البليدة، كما المثقف الجبان منتجها، في طور التبرير الماكر لسلوك الأنظمة السائدة، لتشارك، هي ذاتها، في سد باب الاجتهاد: بابها المركزي؟

تحول مفهوم الاجتهاد عبر تلك الثقافة والأنظمة التي تمثلها، من مفهوم شديد الحيوية والحضور في سيرورة التطوير والتفكير، إلى مصدر لا يجر على صاحبه سوى العقاب: السجن، التكفير، القتل، الإلغاء. ليتابع العربي رقصته الأثيرة بين سيف السلطان على الأرض ووعود الخلاص الأخير من السماء، وتتابع ثقافته عجزها الموروث عن قول الحقيقة، والمشاركة الفاعلة، تنويرية البعد، في الحراك الاجتماعي، عظيم الأثر، الذي تشهده الساحات العربية الآن.

فمن حق العربي على ثقافته... تلك التي تولد الآن من رحمه هو، وبكل هذا الدم والعذاب. من حقه عليها أن تضيء له درب الأمل. أن تفتح الأبواب نحو الغد، وأن تقول له، بلا خوف أو حياء ساذج: إمساك العصا من النصف هو مشاركة فعلية في الدفاع عن هذه الأنظمة السائدة الآن. وأن تعويم العلاقة بين الدين والدنيا لا يخدم غير تلك الأنظمة التي أنتجت لنفسها شكلا من أشكال الحكم نصف الإلهي، نصف البشري، مستفيدة، إلى ابعد مدى، من حالة التعويم إياها.

من حق العربي على ثقافته المنتظرة أن ترفع صوتها عاليا لتطالب وتعمل على الفصل المنطقي والملح بين سطوة السماء وحاجات الأرض، فمن هناك فقط، يمكن للدولة المدنية التي يناضل العرب الآن من أجلها أن تقوم وتستمر. كما يمكن للمقدس حين يُفصل عن أمور الأرض أن يبقى مقدساَ، أن يخرج من بين الأيدي المريبة لرجال الدين الذين يفسرون النص المقدس بالهوى والمزاج ورغبات الأنظمة. فلا حل في نهاية المطاف، أو بدايات حل بعبارة أدق، لهذا المأزق العربي الكبير، إلا بسحب البساط من تحت هذي الأنظمة، بإعادة المقدس الذي استخدمته تلك الأنظمة في تسويق نفسها وتجميل قبحها، إلى مركزه الفعلي والأصلي.. ذاك البهي والجميل دائماً.

عليً أن أشير أخيراً إلى أن الدولة المدنية التي لا يمكن أن تقوم بدون فصل الدين عن الدولة، هي الحاضنة الحقيقية للمقدس، هي التي تحمل احتراما عاليا لذلك المقدس، وهي القادرة على صونه، لأنها وببساطة متناهية دولة عمادها القانون، والقانون هو الحارس الفعلي لحق المرء بما يعتقد ويعتنق.

في دولة القانون المنشودة تلك يُصان المقدس ولا يُهان، ويرتفع ظلاً ومعنى، ويبقى هناك بهياَ مؤثراً في السماء الآسرة، وتبقى الأرض، ها هنا، غارقة في غيًها وهمومها وأحلامها الخالدة.

 

 

  9 

في تذكر أدونيس

هي الأيام الأخيرة من صيف العام 1997، حين حط أدونيس رحاله ضيفا على / دائرة الثقافة النمساوية/ ولمدة أسبوع كامل، ترافقه مجموعة صغيرة من الكتاب والشعراء العرب الذين تم اختيارهم بطريقة خبيثة تتيح المجال أكثر أمام أدونيس ليبقى سيًداَ مطلقَاَ في الاحتفالية الثقافية، النادرة عربيا، آنذاك. وكان أدونيس، كما هو مُعدً ومًنتظر، نجماَ بلا منازع أو منافس، تدور من حوله الأفلاك الحاضرة.

لم تكن نجومية أدونيس خلال الأسبوع الفييناوي المميز ذاك، وليدة الإعداد، غير البريء، للجهة الداعية، فحسب، بل هي، كما يمكن للمرء أن يحدس: مجرد متابعة منطقية للحضور الكبير الذي حققه الشاعر، صاحب المشروع الفكري، على امتداد تجربته الإبداعية الطويلة، فأينما حل أدونيس أو حضر، من بيروت إلى مراكش، كان لا بد لتلك النجومية أن تتبعه وترافق خطاه، فهو، بمعنى أو بآخر: أحد الآلهة القليلة المُعمدة، بجدارة، في معبد الإبداع العربي الكبير.

انسجاماَ مع دوافع تلك النجومية الطبيعية وأغراضها المتوقعة، كان الشاعر نجماَ بلا تكلفِ أو ادعاء... بسيطاَ، متواضعاَ، وشديد القدرة على بث الدفء، بتلقائية عالية، وخفة ظلٍ مكتسبة لا يتورع صاحبها عن توظيفها، في كل وقت، ليجلد بها من يحب أن يجلد من نقادٍ وزملاء، وهم كثر بطبيعة الحال. فمن يعرف أدونيس، يعرف صراحته في الحديث عن هذا وذاك من الأشياء والأسماء. ويعرف أيضاَ أن الرجل لا يجامل، كثيراَ، حين يتعلق الأمر بمواقفه الفكرية والسياسية، ناهيك عن رؤيته الشخصية للشعر بشكل عام، والعربي منه بصورة خاصة، وهو يعرف بالطبع ما يقول والى أين يريد أن يصل...؟

ونديماَ من طراز خاص كان أدونيس أيضاَ، فحين يمتد السهر ويحضر الجيد من النبيذ الأحمر. والقديم من أغاني أم كلثوم، ينطلق الرجل على سجيته، فيحكي، ما لا يُسمع منه في كل وقت، وما لا يُعثر عليه من أقواله المنشورة في صحيفة هنا أو كتاب هناك. فهناك تماماَ: في تلك الأجواء الحميمية والخاصة جدا، تخرج النفس البشرية، عادة، ما لديها من مواجع وأفراح، وتبوح بها، بلا خشية من رقيب ما، أو حدود بعينها. وكذلك فعل أدونيس، تحدث بأريحية خالصة، قال الكثير وساجل مطولا حول القضايا المطروحة عربيا، ثقافية أو سياسية كانت، ولم يترك، بين هذا وذاك، فسحة صغيرة للتأويل والتخمين، فقد كان واضحاَ تماماَ، يوجه نقده اللاذع لهذا الاسم أو ذاك / حتى الأسماء المكرسة في معبد الثقافة إياه / ويمدح، بتواضع أنيق، تلك الشاعرة التي صدر ديوانها الأول قبل قليل. أو ذلك القاص، شبه المجهول في الريف المصري.

الآن، على عكس رغبتي تماماَ، لا استطيع الكشف عما سمعته من أدونيس في تلك السهرات / ما أعلن عنه من آراء حول الكتاب والشعراء العرب تحديداَ / فمن قواعد تلك الليالي الثابتة أن لا يبوح المرء بما يدور فيها. ولكنني لا أكشف الآن سراَ، هكذا أرجو على الأقل، حين أورد القليل من آراء الرجل، التي سمعتها ودونتها أيضا، حول النظام العربي، وكنت قد دونتها فعلاَ في دفتر صغير، على أن أعود إليها لاحقا لكتابة، مادة ما، تجمع ما بين الحوار والسرد مع الشاعر وعن حضوره في فيينا. ولم افعل، وها أنذا أعود اليوم إلى تلك الجمل المتفرقة التي نقلتها حرفيا عن لسان أدونيس وأقرأ:  (... الحديث عن سقف منخفض للحرية في العالم العربي هو مجرد هراء، فلا حرية هناك ليعلو سقفها، أصلا، أو ينخفض... لقد تمكنت الأنظمة المستبدة من تسخيف مفهوم الحرية تماما. صارت الحرية وفقا لسلوك الأنظمة تلك مصدرا لتهديد وجودها.. أو هكذا تعتقد).

وفي السياق عينه يضيف: (يعجز المثقف العربي عن مواكبة أقرانه في الغرب لكثرة ما يحيط به من حواجز أخلاقية مفروضة بلا أسس، ومن تعاليم دينية سطحية عادة.. ولكن الحواجز هذه لم يكن لها أن تترسخ كما نراها اليوم لولا وجود الأنظمة الشمولية السائدة) و: (الحرية شرط أساسي لعالمية الشعر العربي). ثم يخلص أدونيس إلى الحقيقة التالية: (... لن يتمكن العالم العربي من التقدم خطوة واحدة إلى الأمام  مع وجود هذه الأنظمة الظلامية... تجاوزها هو الذي سيفتح الباب أمام مستقبل أفضل).

لم يفصح الشاعر يومها، كما تبين الأوراق التي بين يدي، عن وسيلة بعينها تيًسر عملية التخلص من تلك الأنظمة الظلامية، ولكنه يشير، في جلسة أخرى، على صفحة ثانية من دفتر الملاحظات إلى الحقيقة التالية: (رفعت الثورة الفرنسية جدارا عالياَ بين عصر الانحطاط الذي سبقها، وهذا العصر الأوروبي المتطور الآن... كانت مثالا للقطيعة الكاملة بين مرحلتين..).

تبدو الرسالة التي تحملها الكلمات الأخيرة واضحة تماماَ، فالقطع الفعلي مع ما هو قائم: / عصر الانحطاط / لا يتحقق إلا من خلال فعل شمولي وهادر، هو: / الثورة الفرنسية / مثلاَ. وهو الفعل الذي انشغل أدونيس طويلاَ باستقصاء معانيه وتحليل آلية عمله، في القصيدة  أولاَ وتالياَ، وفي حفرياته النظرية الكثيرة أيضاَ.

ثورياَ، كان أدونيس الذي رافقته ليلاَ نهاراَ في فيينا. وثورياَ ومتمرداَ كان الرجل الذي تابعت بلا كلل أو ملل نتاجه الشعري والنظري على امتداد الوقت... ألم تكن الرؤية العميقة للإرث الثقافي العربي في الثابت والمتحول فعلاَ ثوري المعنى والهدف..؟ ألم تكن عذابات وأحلام  مهيار الدمشقي شكلا من أشكال الرفض المطلق لعصور الظلام..؟ و/ وقت / قصيدته الرائعة التي أحب: / حاملاَ سنبلة الوقت ورأسي برج نار / ألم تكن بياناَ شديد الفاعلية والجمال، يتحدى عبر طاقته الشعرية المكثفة كل ما هو سائد وباعث على الانحطاط..؟

هو أدونيس الذي عرفت وأحببت... هو ذاك الذي يتقدم مظاهرة صاخبة في بيروت العام 1982 رفضاَ للحصار. هو الذي لم يكف يوما عن التغني بالأمل والغد وارتفاع شأن الضحية. وهو بين هذا وذاك، الشاعر الكبير الذي فاجأني بالرد على رسالتي الأولى إليه العام 1986 في الأردن .

في مقتبل العمر والتجربة كنت آنذاك. وكان إعجابي الشخصي بالمشروع الشعري والنظري لأدونيس قد تجاوز حد الاكتفاء بدور القارئ إلى رغبة بمحاورة الشاعر، وكان لي ما أردت... تبدو مفردة: محاورة الشاعر. في غير موقعها الصحيح الآن، فالحقيقة أنني كنت أوجه الأسئلة، وكان الشاعر، بسخاء أبوي وتواضع رفيع، يجيب ويجيب، لتتواصل الرسائل، الحاملة في كل مرة، شيئاَ، من شخصية صاحبها، وما تحمله تلك الشخصية المتنوعة، من فكر كوني وشمولي البعد.

اليوم أعود إلى تلك الرسائل القليلة التي حملتها معي من الزرقاء إلى فيينا، وحافظت عليها، من التلف والنسيان، على امتداد ربع قرن كامل، لأعثر فيها، أيضاَ، على الكثير من الآراء ووجهات النظر التي تتفق، بمجملها، مع مواقفه الفكرية والسياسية المُشار إليها أعلاه، حيث الحرية، في ثنايا الرسائل كما هي في جلسات وليالي فيينا: (قاعدة مقدسة)، وحيث: (لا حياة ولا إبداع  بدونها).

هو أدونيس إذاً في رسائل العام 1986. وهو النديم والمحاور الجميل في العام 1997. وهو... أود لو أقول: / الآن أيضاَ / .. ولكن..؟؟

الآن.. في هذا الصيف من العام 2011. بعد مرور القليل من الوقت على انطلاق رياح التغيير التونسية، ثم المصرية../ تغنى الشاعر بريادة الفعل التونسي وعبقرية المصري /، ها هي نار التغيير، بعد أن مرت بليبيا واليمن والبحرين، تشتعل في عقر الدار الدمشقية.. دار مهيار واقسيون، وها هو أدونيس الحامل / سنبلة الوقت / يطيح بفكرة السنابل وشروط الوقت ويبتعد، بلا وجل يبتعد، عن جماليات الانتماء إلى / برج النار / الموقدة.

حين قرأت للمرة الأولى فكرة أدونيس الغريبة عن ثنائية الجامع والتغيير: (لماذا تخرج المظاهرات من الجوامع دائماَ)، لم أصدق ما قرأت، فأعدت القراءة مجدداَ عازماَ على النظر بتجريدية أكبر إلى النص الذي بين يدي، دون أن أسقط أنا عليه ما أحمل من أفكار، وما كنت انتظره، أصلاَ، من فكر الرجل الذي يساوي، عادة، بين الحرية والحياة، والى حد تقديس الأولى، كما هي الثانية مقدسة سلفاَ. ولم أجد، لم أجد ما يبتعد بي عن حالة التلقي الأولى للنص.. ولم أعثر على تلك الصورة الجميلة المخزنة للشاعر عندي. ولكني انتظرت. لم أفكر بكتابة ما أكتبه، بمرارة، الآن، ولم أتبنى موقفاَ جديدا من الرجل. قلت انتظر، فربما يعود الفارس إلى صهوة جواده من جديد، لعلها كبوة مؤقتة لا أكثر، فالكبار لهم سقطاتهم أيضا، على خطورتها، ولكنها تبقى قابلة للتعديل.. إن شاء أصحابها..؟

لم انتظر، وننتظر طويلا، حتى أطل أدونيس علينا للمرة الثانية، عبر جريدة السفير اللبنانية هذه المرة، معلناَ عما لديه من اقتراحات قديمة وناعمة ـ للسيد الرئيس -، قديمة هي، لأننا سمعناها مرارا وتكراراَ منذ تولى الوريث عرش أبيه. وقديمة هي أيضا لأنها تجيء في غير زمانها ومكانها. فلعل رسالة الشاعر تصلح، إن صلحت، للنشر في العام 2005 مثلاَ. وليس الآن... ليس الآن أبداً، فهناك، في هذه اللحظة. في اللحظة التي خط أدونيس رسالته إلى الرئيس، وفي لحظة نشرها. ولحظة تلقيها الصادمة، تتساقط الجثث على طرقات الشام، وترتفع، مع كل شهيد جديد درجات الألم.

وناعمة رسالة أدونيس بقدر ما هي بالية.. مربكة قليلاَ.. تلتف من حول الحقيقة ولا تصيبها. تلمس الجروح أحياناَ وتخفف على الفور من حدة أوجاعها. تقول بالإصلاح والتغيير، وتنتظر من النظام الذي يعرف أدونيس جيدا أن صلاحيته كنظام حاكم، منتهية منذ أمد بعيد. وأن قدرته على التغيير بالتالي لا تنسجم بأي حال مع بنيته العقائدية السائدة. وأن الشعار المرفوع الآن في سوريا هو إسقاط هذا النظام وليس تجميله المضحك من الخارج، ليس النزول بسقف وحشيته قليلاَ، بل التخلص الكلي من تلك الوحشية، وليس، قبل هذا وذاك، الوصول إلى مخرج توافقي، يبقى الراعي بموجبه راعياَ والأغنام أغناماَ. فعن أي ممكن ومُنتظر يتحدث الشاعر. وإلى أي رئيس يوجه صيغة الرجاء هذه: - سيدي الرئيس - ؟؟

صدمة من العيار الثقيل هي الرسالة الثانية لأدونيس.

صدمة شخصية وثقافية وإنسانية عامة ترفع من ضغط السؤال الجوهري:- إلى أين يريد أن يصل.. وماذا يُخفي في جعبته، إن أخفى؟ وهل هناك ما هو غامض وعلينا تفسيره في موقف المفكر الواضح عادة، والشاعر الذي لا ينزلق بسهولة وخفة في حفر السلطة ومكائدها.. وها هو ينزلق؟؟

عدت إلى  الرسائل القليلة القديمة مجدداَ. إلى ما دونته نقلا عن الشاعر في دفتر العام 1997، وعدت إلى الكثير مما لدي من أعمال تحمل توقيعه، لأبحث عن قاسم مشترك بين كل ما ذكرت، وهذي الرسالة الأخيرة الكارثة، فلم أجد... هل هناك ما هو موجود ولم أعثر أنا عليه؟ هل قدم أدونيس لمثل هذه المواقف الصادمة سلفاَ.. ولم أنتبه؟ أم أن النار حين تقترب من عقر الدار تأخذ في طريقها كل ما هو ثابت، وتفتح الطريق إلى كل ما هو متحول وباعث على الألم، وهل وصلت النار حقاَ إلى دار الشاعر، وما اسم تلك الدار أصلا التي يخشى عليها أدونيس من التلاشي.. هو القاطن أبدا بعيدا عن الدار بمعناها المجازي. بعيدا عن العشيرة بمعناها الضيق. وبعيدا عن المقدس السطحي وما يشير إليه أو يحيل عليه؟؟

إلى أين يريد أن يصل أدونيس فعلاَ؟ ماذا يود أن يقول. وعن أي شيءِ يدافع.. وكيف اقرأ أنا الآن رسالته الأخيرة، وأساويها بمقولته الجميلة الآتية، بهية الحضور في الذاكرة.. رفيعة المعنى. والتي أكررها للمرة الثانية، واختم بها: (لن يتمكن العالم العربي من التقدم خطوة واحدة إلى الأمام مع وجود هذه الأنظمة الظلامية... تجاوزها هو الذي سيفتح الباب أمام مستقبل أفضل..) .

 

فيينا 2011

 

  10 

 من فقه الطغاة

لا يستجيب الطغاة عادة لصرخات ضحاياهم.. لا يسمعونها، ولا يعترفون أن سمعوا بها، بجدواها أو جدوى التسليم بأوجاعها، فما يشغل بال أولئك الذين اختارتهم الصدف وغرائب الأحداث لرعي الرعية: ليس أحوال الرعية أو همومها، بل كيفية اختزالها في خانة دونية لا يُسمح لشاغليها بالقفز خارجها، أو تحسين شروط البقاء القسري فيها على الأقل.. كما لا يجوز ولا يحق لهم الإعلان عن شكواهم ونقد مصائرهم البائسة، إذ تصبح الشكوى هنا: في عرف الطاغية: مصدراً للاحتجاج.. والاحتجاج هو المرتبة الأولى للتمرد.. والتمرد هو الخطوة الأولى نحو التغيير.. والتغيير هو المسمار العبقري في نعش الحالة المتردية، تلك التي يصنعها الطغاة ولا يؤمنون بوسيلة أخرى للتسيّد إلا عبرها. لهذا، ولأسباب عديدة أخرى يطول شرحها الآن: يسعى الطغاة، وعبر وسائل شيطانية متنوعة: لوأد فكرة الشكوى في مهدها أصلاً.

وأد فكرة الشكوى/ التغيير أو السعي إليهما: هو الخطر المركزي الذي لا يمكن الإطاحة به، عند الطغاة، إلا عبر شيطنته ووضعه في الدرجة الأعلى للحرام.. الحرام نقيض الحلال، كما الشيطان هو نقيض الله الأبدي، والطاغية هو - رمز الحلال - المعمد بمرجعيات مقدسة وذات صبغة إلهية لا تُرد: وليّ الأمر هو، وهو: أمير المؤمنين.. الحاكم بأمره.. الخليفة، وغير ذلك من ألقاب ومزايا تتمثل روح الله على الأرض وتماثلها!

ساوى الطغاة العرب، وعلى مر الحقب، بين حضورهم في الوعي الجمعي لرعيتهم، وبين حضور الله في ذلك الوعي: هناك العشرات من الأمثلة الدالة، في التاريخ العربي الإسلامي، على أمثال أولئك الطغاة الذين اخترعوا فكرة التساوي تلك وثبتوها على الأرض.... لعل القذافي هو الدليل الحديث على أمثالهم وهو اختصارهم الفعلي كذلك، فقد عمل - القائد - : مستفيداَ من تراث الطغيان العربي الكبير: على الرفع من ذاته، لأربعة عقود متواصلة، إلى حدود إلهية قصوى.. نعرف من حسن الحظ نهاياتها اليوم، ونعرف ما خلفته من كوارث في البلاد.

سوف تفتح فكرة التساوي، أعلاه، بين الطاغية وربه الباب على وسعه أمام: إنتاج ما هب ودب من طرق: يصادر عبرها الطغاة حقوق رعاياهم ويحددون، إلى هذا وذاك، مصائرهم، وبصرف النظر عن طبيعة تلك المصائر أو تجلياتها.. فالعلاقة القائمة بين الطاغية وضحاياه، هي الانعكاس الفوري لتعويذة الطاعة العربية الأثيرة:- طاعة ولي الأمر- وهي طاعة عمياء تستعيد وتتمثل دائما: طاعة العبد، التي لا تكون إلا عمياء، لربه. ولا يصح نقدها أو العمل على زوالها بالتالي، وإلا، فالوقوع في حبائل الشيطان/ الحرام: هو المصير الوحيد المُنتظر! فكيف يمكن للرعية، والحال هذه، أن تشكو أربابها أو تتمرد عليهم، وإلى حدود الرغبة بتغييرهم أيضاً!؟

يستفيد الطغاة، كما كان حالهم دوما، من قداسة فكرة التساوي تلك.. إنها الآلية الناجعة والمجربة لبسط الحكم، إلى كونها البذرة الثقافية والروحية المكونة لفلسفة ذلك الحكم بالمجمل. كما هم مستفيدون، وإلى مستويات هائلة، من فكرة الطاعة: وليدة الفكرة الأولى ونتاجها المنطقي. وكانت فكرة الطاعة العمياء هذه قد لعبت، وتلعب اليوم، دورا هاماً في حماية وتثبيت أعداد كبيرة من الطغاة الجدد: أولئك الذين لا يعثرون في تراثهم الشخصي والعائلي على مسوغات دينية تفرض حق طاعتهم: خلفاء، أمراء، ورثة أنبياء. فيذهبون للبحث عن مسوغات ثانية: تحمل هي الأخرى هالتها المقدسة فوق رأسها وتفرض، تالياً، حق طاعتها: بطولات قومية خارقة... مزايا فردية ساحرة لا تبدأ من قدرة الطاغية/ الحاكم على قيادة الجيوش في معارك جرارة والانتصار المعتاد على الأعداء.. ولا تنتهي عند قدرته على زراعة صحراء القمر، بل تتعدى الأمرين إلى مجاهل هلامية عديدة، سوف تجتمع لتشكل معا: تلك الصفة الخرافية الشهيرة:- القائد الأب -.... الأب الذي يفرض حضوره، بحسب الثقافة العربية وانسجاما مع تعاليمها: دوافع  الخوف والاحترام وليس النقض أو الإلغاء: يحضر المخلوع المصري الآن: مبارك، كنموذج صارخ يستدل به المتلقي على الرديء والهش من فكرة الطاغية/  الأب والبطل، فحين شعر المذكور بدنو الأجل الطويل لسلطانه: لم يجد ما يعول عليه لدى العامة/ الرعية: سوى العمل على تأكيد فكرة:- الأب الذي لا يصح أن يُهان- ولا يصح بالتالي عزله أو المساس بعرشه المقدس! ناهيك عن التغني المُستعاد بعبقرية الضربة الجوية الأولى التي قاد أو يُفترض! وهي ضربة بلا أهمية تذكر (إن صحت أصلاَ) حين تُقاس بحجم تأثيرها العسكري على الأرض! وهي، إلى هذا وذاك: لا تقول لنا، كما لا يقول لنا فقه الطغاة الذي أنتجها: كيف نجمع بينها وبين طغيان صاحبها وفساده في البلد.. كيف نبرر بها، وبالكثير مثلها، مما هو مُتخًيل وغير صحيح بالمطلق من بطولات قومية أو فردية خارقة للطغاة العرب: قمعهم الوحشي لشعوبهم.. تغولهم، ومصادرتهم لكل صفات الحياة!؟

أنتجت الحياة العربية، استطراداً: نماذجها اللافتة والحاضرة للطغيان والطغاة: القذافي (تأليه الذات المُسيطرة): مبارك (تقديس فعل البطولة المزعوم). ثم عادت لتنتج هذا النموذج الفريد: غرائبي المرجعيات والمسوغات في سوريا. فهناك، حيث لا يملك الطاغية ما يعمّد به حاضره أو تاريخه من مزايا وبطولات فردية، ولا يستطيع العثور على تعاويذ دينية تبرر حكمه: (خلافة، قرابة إلهية ما.. الخ)، إلى كونه لا يزال بعيداً، بحكم العمر، عن ارتداء معطف - الأب القائد -، هناك.. يعمل فقه الطغاة بجهد لافت على اكتشاف أيقونة حكم جديدة للولد الذي ورث الحكم وأصبح فجأة طاغية، فإذا كان ولا بد من أيقونة مقدسة لكل طاغية عربي، فلتكن أيقونة السوري إذاً: مميزة وصارخة بقدر ما هي جوفاء في الواقع وبلهاء أيضاً: أيقونة المقاومة!!

لا يفسر لنا فقهاء الطغاة في سوريا: سر تلك المقاومة السحرية وغير المرئية أبداً، ولا يدلنا عليها وعلى ما أنجزته في الواقع...!؟ ولا كيف تصبح تلك المقاومة المُتخيلة: أيقونة على رأس الطاغية/ العائلة/ النظام... ولماذا: لا تصح المقاومة أو تجوز إلا عبر - ارتباطها الحتمي - بإقصاء الناس واصطياد حرياتهم!!

لا يجيب الطغاة الجدد: أبطال الخرافة، ولا يجيب طغاة الكتب: أولئك الآلهة... لا يجيبون ولا يقدرون بالطبع.. تلك هي سماتهم الأصيلة، وبصرف النظر عما يحملونه من صفات رديفة: خلفاء، أمراء، أولياء، آباء، أبطال. وتلك هي باختصار: سمة العلاقة - القدرية - الصارمة للطاغية  بالرعية بشكل عام.. وهي العلامة الفارقة في فقه التسلط العربي برمته بصورة خاصة، فلدى العرب، على ذلك الصعيد، ما ليس لغيرهم من مواجع وعذابات، ولديهم ما لا يعد أو يحصى من أسباب الشكوى والنقد والبحث عن وسائل التغيير.. فقد تقودهم الطريق يوما إلى امتلاك آليات خلاقة يُنزلون عبرها طغاتهم عن عروشهم المجاورة لعرش الله: إلى منازل أرضية.. حيث يمكنهم حينها: إعادة إنتاج ثقافتهم، أو تنظيفها على الأقل من مخزونها القبيح: من فقه الطغاة.

 

 

  11 

استقالة الرئيس... وقباحة الآخر!

 

بين استقالة الرئيس الألماني كريستيان وولف على أثر فضيحة تمويله بيته الخاص بقرض بنكي بلا ضمانات كافية في العام 2008 (قبل توليه لمنصبه الرسمي). وبين الرئيس العربي المشغول بقتل كل الحيوات من حوله حفاظا على موقعه المقدس... بين كبوة الأول وما فرضته من ثمن مرتفع على صاحبها، وعار الثاني وما يحصده من ضحايا: يكمن الفارق السحري بين عالمين لا يشبهان بعضهما البعض ولا يلتقيان، على هذا الصعيد، حول مرجعيات ثقافية أو سياسية واحدة، فما يقدمه النموذج الألماني من إشارات لا تقبل التفسير والتحليل والركض الخفيف وراء مبررات ما لسلوك الرئيس، هي التي تخلق الفارق الهائل بين ثقافة القيادة (الإدارة بمعناها الشامل) تلك السائدة اليوم في الغرب عموماَ، وبين  ثقافة الحكم (الحاكم بأمره)، تلك التي لم نعرف سواها في العالم العربي. وهي: الإشارات الدالة بعنف، ليس على غياب أوجه الشبه بين العالمين فحسب، بل تؤكد، للأسف، حقيقة الوضع الحضاري/ إنساني البعد الذي حققه الغرب (داخله فقط، وليس بطبيعة علاقته الأقل حضارية وإنسانية بدول العالم الثالث)؟ كما تؤكد، في الوقت عينه، حقيقة ما يرفل به العالم العربي من إخفاقات حضارية لا يمكن وصفها الآن بالجميل من المفردات!

يدير القائد الغربي دولته التي اختارته لقيادتها بعقلية المدير الإداري لشركة عملاقة لا يملك أسهمها ولا يحق له التصرف بأموالها، وما عليه للبقاء في مكانه سوى تنفيذ أجنداتها ورعاية مصالحها وتطويرها، وحين يخفق أو يكاد: يستقيل أو يُقال، ويأتي غيره ليواصل رعاية الأجندات، فلا تنهار الشركة لأن مديرها أخفق ومضى لحاله، ولا تدخل أتون الفوضى والحروب الأهلية أو تصارع بدمها وبأرواح أهلها لإقناع المدير بترك منصبه. لا يمكن لمثل هذا المشهد الدموي أن يحدث هناك، فالقاعدة بسيطة ولا تستحق الكثير من العناء: جاء المدير ثم استقال، وسوف يجيء المدير الثاني خلفه.. قد يستقيل أو يُقال، وقد تودعه الشركة بالورود والأمنيات وتستمر الحكاية.

أدارة الدول بمواهب المدير وبحدود سقفه القانوني والإنساني المُعدً سلفاَ هي القاعدة الثابتة وغير المسموح بخرق شروطها، فالدول/ الشركات: لا تحتمل أو تبرر أهواء قادتها وأحلامهم الشخصية ورغباتهم العائلية الضيقة ولا تقبل، بالتالي، تحويلها وأصحابها لوقف فردي/ عائلي يكتسب مع الوقت والعنف وحماقة الثقافة السائدة صفات المقدس وخصائصه الإلهية التي وجدت لتبقى (إلى الأبد، وما بعده أيضاَ) ولا يصح تغييرها، فالمقدس لا يتغير.. لا يستقيل أو يُقال!؟

قدم الرئيس الألماني عبر استقالته مؤخراَ بعداَ أخاذاَ يتجاوز فلسفة الإدارة العامة للدولة ليدخل طور المرجعيات الأخلاقية اللازم اتباعها والعمل بقوانينها، فالرجل المستقيل هناك، انسجاماَ مع ثقافة الإدارة تلك: هو الممثل الشرعي (المُنتخب) لمنظومة عملاقة من القوانين والأعراف وأصول القيادة الشفافة... إنه وجه ألمانيا الأول في الداخل والخارج، وعليه أن يعكس صورة الوجه النقي والجميل، وأن لا يتورط في القليل أو الكبير من الحماقات الشخصية التي يمكن أن تنعكس سلباَ على ذلك الوجه: وجه البلد. لهذا استقال كريستيان وولف الذي لاحقته القوانين ووسائل الإعلام بتهم الفساد الشخصي وليس العام، أي أن الرجل لم يختلس مالا عاماَ، ولم يزورً انتخابات ما ولم يقتل أحدا للحفاظ على منصبه أو يعدلً الدستور ليلاءم الأبناء ومصالح العائلة.. ولكن المرجعيات الأخلاقية العالية والواقعية تقضي بانصرافه: انصراف ما يمكن أن يعكر صفاء الوجه العام أو ينزل بسقف تلك المرجعيات.. فانصرف، في وقت لا يمكن للعربي أن يحلم فيه بذاك المشهد الألماني أو يتصوره مخرجاَ، فهنا: تسير الأمور وفقاَ لآليات أشد وضاعة وقسوة.. هنا يخرج العربي ليكتب بكل اللغات لحاكمه القبيح: ارحل. هنا تتساقط الأرواح وتعم المصائب والأوجاع وتدمر البلاد ولا يرحل حكامها... وهنا علينا أن نواصل البحث عن أسرار الفارق العظيم بين الحاكم الأبدي  والمدير الإداري المؤقت للبلاد.. بين ذهاب الناس الآن في برلين للتجوال والاحتفاء  بكل شيء (إلا البطولات المزعومة للحكام) وبين نزول الناس للساحات هنا، حيث الموت بالمرصاد، لإقناع حكامهم بالرحيل أو لإجبارهم عليه.

 

 

 

naelbalawi@hotmail.com

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

ضفاف

أشعار