عودة إلى جسور

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

   1   

الفساد والإفساد

لقد بدأ القرن العشرون وبداية الواحد والعشرون بانجازات علمية  في مجا ل التطور المادي، نلمسه كل يوم من خلال تعاملاتنا مع أمور الحياة  اليومية.

ولكن في هذا القرن، أن يصبح الفساد علما له أساتذته ومؤسسات تعمل على تطويره وتسويقه وتقديمه حتى إلى خيرة المثقفين المدافعين عن القيم الشريفة، وهو ما لم يكن يتوقعه إبليس اللعين.

هذا ما أشعر فيه وأعانيه وأنا أراقب الوضع في فلسطين بقلب كليم وعقل يصعب عليه فهم مجريات الأمور. في هذا (الفلتان) الذهني، عدت إلى الذاكرة علها تساعدني على وضوح الصورة، وهنا تذكرت أملا من الآمال التي غيبناها ودفنا معها كل ما حمله الإنسان اليمني من آمال.

زرت اليمن قبل تشكيل أول حكومة وحدة بين شطري اليمن، وِشعرت بالفارق الكبير بين دولة الشمال التي تدار بعقلية  لم تختلف كثيرا من حيث الفكر السائد عن سلطنة آل حميد الدين، اللهم إلا بأعداد لا بأس بها من الشباب كانت ترى في هذه الوحدة طريق الإنقاذ. وبين اليمن الجنوبي الذي أصبح فيه مؤسسات فعالة وقوانين يلتزم الجميع بها إلى حد كبير.

وهذا ما أثلج صدري في تلك الزيارة، مما حداني أن أقول لمضيفي من الشمال وهو صديق ذو جاه ونفوذ (بكرة الجنوبيون حايمشوكم على العجين ماتخربطهوش) فضحك بشكل يفصح به لي عن عدم معرفتي وحتى غبائي في أمور السياسة العربية.

ثم أردف، عندما يأتي الوزراء من الجنوب فسوف يقدم لكل واحد منهم فيلا  كبيرة تحتاج إلى أكثر من خمسة أشخاص للقيام على خدمتها، وسوف تقدم له سيارة مرسيدس طراز 500 اس.أل وسوف نرسل إلى بيته الوفود للتهنئة،  وسوف نقدم له من أموال الدولة مبلغ نصف مليون ريال يمني ليجهز بيته ونفسه للمهام الجديدة.

وفي هذه الظروف سوف ينفق ما وصل إليه خلال الشهرين الأولين من قدومه، وهنا لن يبقى أمامه سوى راتبه المتواضع الذي لن يكفيه في أحسن الأحوال الأسبوع الأول من الشهر.

وهنا أمامه حلان لا ثالث لهما. إما أن يطلب المساعدة من الرئيس مباشرة، والرئيس كما تعرف وتسمع رجل كريم وهو بلا شك سوف يسد عوزه ويفهمه أن لكل شيء في هذا النظام ثمن.  وأن هذه المبالغ هي ثمن الوفاء أو أن  يصبح كالآخرين من وزرائنا مرتشي، وهنا ما علينا إلا أن نبلغه الرسالة بأننا على اطلاع تام بما يجري في مكتبه. وهنا يصبح الولاء مكفولا.

في فلسطين اليوم عدد كبير من منظمات المجتمع المدني التي تنفق عليها أوربا والولايات المتحدة، يعيش أصحابها بنعمة يحسدون عليها، ويكتبون وينظرون حسب الاتجاه الذي يرضي هذه الدول.

والمنظمة والسلطة عملت منذ أوسلو وحتى اليوم على  إهدار المساعدات الدولية على شراء الأتباع وتوظيفهم.

وأن يكون لذوي الشأن منهم رواتب تناسب ما يقدمونه من خدمات. واليوم وبعد الانتخابات الأخيرة ظهر بوضوح أن الفر قاء أصبحوا فريقين. فريق يدافع عن مكاسبه وعن المبادئ التي منحته هذه المكاسب، وفريق يرى أن بناء المجتمع بناء متينا ليتمكن من حماية نفسه من الأزمات والبعد عن كل الأدوات التي آلت به وبالقضية الفلسطينية إلى ما آلت إليه.

 

   2   

 

الحرية والديمقراطية

 

الحرية والديمقراطية لا يمكن أن تنمو إحداهما أو تنجح بمعزل عن ألأخرى، وهناك في التاريخ القريب والبعيد مؤشرات كثيرة يمكن الرجوع إليها، من تجربة الجزائر وقبلها تجربة مصدق في إيران إلى تجربة حماس الجديدة.

والسؤال الآن: هل كانت حماس واعية إلى الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني والى المنظمات العاملة في ساحته والى سلطته الوطنية وكيف أصبحت مع الوقت سلطة غير وطنية، وهل كانت حماس تعتقد أن المحتل الصهيوني سوف يتيح لها أو لغيرها أن يعيد بناء المجتمع الفلسطيني ويدعم وحدته الوطنية ويقوي صموده الداخلي اقتصاديا ومعنوياً وحتى  تعبوياً، هل كانت حماس غير واعية بأن الأنظمة العربية أصبحت من الضعف والانحطاط بحيث أنها لن تقبل بوجود أي حركة مقاومة من أي نوع حتى لو كانت هذه الحركة فقط لمقاومة الذباب، لأن ذلك يتطلب منها أن تتخذ موقفا، واتخاذ المواقف لم يعد من صلاحياتها.

أجل برأيي أخطأت حماس وأخطأ معها الكثيرون ممن كانوا يظنون أن أمريكا في طريقها إلى تفهم هموم المنطقة بعد الضربات الموجعة على أرض الرافدين، والخسائر المتزايدة في أفغانستان، وضغط اللوبي الصهيوني من أجل إنهاء القوة الصاعدة في إيران.

فالغاشم والمستعمر والظالم، لا يمكن أن يفهموا مبادئ العدالة بلغة المنطق، بل بلغة توازن القوة وتوازن الرعب وتوازن المصالح، وهذه الأوراق أضعناها الواحدة تلو الأخرى، لأسباب عديدة، من أهمها عدم وضوح الأوليات وعدم بروز القيادة التي تجعل التناقض الأساسي هو التناقض مع الاحتلال وتعمل على إزالته، أما التناقضات الأخرى فهي تناقضات ثانوية ويمكن معالجتها ويمكن أن تعالج من خلال التلاحم الاجتماعي حول الهدف المقدس.

كان لابد من هذه المقدمة للوصول إلى الوضع الحالي في فلسطين، وما نسمعه ونراه ونقرأه، حيث أن السلطة الفلسطينية بقيادة فتح لم تستطع أن تتحمل مسؤولية الهزيمة الانتخابية، ومن ورائها المسؤولية الأخلاقية عن الفساد وانعدام الأمن والشللية وليس أخرها التعاون المكشوف من بعض الأجهزة مع المحتل.

وبدلا من أن تستفيد حركة فتح من الفترة الجديدة لإعادة بناء منظماتها وإصلاح أخطائها، انقضت مع من انقض من أعداء الشعب الفلسطيني على السلطة المنتخبة للعمل على إفشال برنامجها، وحتى إفشال أن تكون هناك سلطة وطنية رغم عدم إيماننا بجدواها، منذ أن ثبت لكل من يحاول أن يفهم ألغاز القضية الفلسطينية، إن أوسلو وما خلفته، وحصار أبو عمار ودروسه،  والأبطال الذين وقفوا ضده من أبو مازن إلى المشهراوي  ودحلان، إنما هي حلقات لإلهاء الشعب الفلسطيني والأمة العربية بمسرحية هزلية، بينما العدو الإسرائيلي ينفذ مخططاته الواحد تلو الآخر، من الانسحاب الأحادي  والسجن الكبير في قطاع غزة، إلى بناء الجدار وقضم أراضي ومياه الضفة الغربية، إلى تهويد ما تبقى من القدس، وصولا إلى تصفية القضية على شكل كانتونات، وإيجاد حكام لكل كانتون لوحده، تدعمه دول من الخارج يعيش على مساعداتها، وعندما يتجرأ مواطن على التفكير بهموم شعبه ووطنه يكون قدره الجوع والحرمان ومدافع إسرائيل وتعسف عملائها.

 

   3   

 

الدعارة المستوردة

 

قرأت مقالة السيدة ماري تريز كرياكي، وانتابتني موجة من الضحك، والمثل العربي يقول شر البلية ما يضحك.

ولم افهم القصد الكامل من المرارة في هذا المقال، هل هي مرارة تدني الأسعار بحيث أصبحت الواحدة تعمل ليل نهار ولا تستطيع  أن تشبع بطنها، أم هو التمييز الديني حتى في أقدم مهنة على وجه الخليقة، حيث أصبح الزاني يريد أن يستبيح من المذاهب الأخرى في السفاح، أو يريد أن يساعد بسفاحه من هم من أهل ملته!!! أم المنافسة غير المتكافئة بين مومس بلدي ومومس مستوردة.

وكنت أود أن أسأل الكاتبة رأيها في اغتصاب الرجال في سجون العراق ودون سؤالهم عن مهنتهم، بل أضيف أن أصحاب المهن الشريفة من أطباء ومهندسين وأئمة مساجد مطلوب اللواط بهم قبل غيرهم، وحتى بدون ثمن، ولا حتى كلمة عاطفية تذكرهم بمرض إنساني انتشر في يوم من الأيام في اسبارطة اليونانية وذكر في الأديان تحت اسم قوم لوط.

هل السياسة التي تمارس اليوم إلا نوع من العهر، هل الوطنية التي نسمع عنها في القنوات والجرائد الحكومية إلا نوع من الستربتيز وهل القوامون على شؤوننا إلا ثلة من القوادون  يبيعوننا لمن يدفع الثمن الأعلى،  او يهدوننا كجواري لمن يداري على مصالحهم.

أي حقوق تبكين عليها، حقوق المرأة، وهل للمرأة حقوق في عصر عبودية الرجال والقيم والمقدسات!!

 

   4   

 

ردا على الأستاذ عبد المنعم توفيق

 

يقول العرب والمثل مشهور،  ليس هكذا تورد الإبل..

وهنا أعود للأستاذ عبد المنعم وطريقته في النقد عندما تناول في عموده في جسور (جوّال) طريقة جمع التبرعات لفلسطين.

نعم إن جمع التبرعات لفلسطين، أصبح متكررا وسيبقى، طالما الضعف العربي مستمر، ولأن الكارثة الفلسطينية دائمة؛ من تهديم للبيوت إلى تجريف للأراضي إلى الوقوف على الحواجز بالساعات، بحيث يضيع النهار، وربما لا يسمح للفلسطيني بالعبور ليقطع خمس كيلومترات ليصل إلى حقله الذي كان قبل مدة مجاورا لمنزله، ولا أريد أن أتكلم عن الحدود وإقفالها وقصة الورد والحمضيات الفلسطينية المصدرة ووقوفها على الحدود بالأسابيع فهي معروفة، لكل من يهتم بالشأن الفلسطيني.

ناهيك على أن الفلسطينيين بنسبة تزيد عن 75% عاطلون عن العمل، إما بسبب هدم الكثير من المصانع والورشات التي كانت تعطي العاملين القليل مما يسد الرمق بعد أن  استغنت إسرائيل عن العمالة الفلسطينية، وأما الأسرى وعائلاتهم، فأضيف القول أن أكثر من أحد عشر ألف أسير تعيش معظم عائلاتهم على الصدقات، أما الذين استشهدوا أو أصبحوا في عداد المقعدين من الجرحى فهي قصص أخرى تحتاج إلى دراسات متخصصة للتعرف على وضعهم الاجتماعي والنفسي، وكيف يتعايشون مع الفقر والجوع .

أعود إلى الموضوع: نعم إن الشعب الفلسطيني والشعب العراقي اليوم بحاجة منا أن نتقاسم معهم لقمة العيش، فنكبة هذين الشعبين لا يعرفها إلا من اهتم بها بعقله وقلبه وضميره، ومهما فعلنا وتبرعنا نحن في النمسا فلا يزيد  ذلك عن قيمة ترميم بيت من  البيوت التي هدمت أو تضررت، وكنت أتمنى عليك وأنت في هذا العمر المتقدم الذي ينضح بالحكمة أن تدقق في تناولك لهذا الشأن دونما تقليل من أهميته.

وهنا آتي إلى الموضوع الذي كان عليك أن تدخل إليه دون اللجوء إلى التشهير، نعم نحن بحاجة إلى الشفافية، نعم نحن بحاجة إلى لجان مختصة ومشهود لها بالنزاهة والثقة، نعم نحن بحاجة إلى جرد لجمعيات العمل الخيري والاجتماعي، نعم نحن بحاجة أن تقوم اللجان المشرفة من قبلنا على التبرعات إلى زيارات ميدانية، ونقل المعاناة لنا بالصوت والصورة، وأن تتفق وتبرمج هذه اللجان  مع المهتمين بالشأن العام المشاريع التي تستحوذ على أعلى سلم الأولويات، وهنا اتفق معك، ولك الحق كل الحق بأن المنظمات النمساوية لديها خبرة وباع طويل في المشاريع الخيرية وهذا ما تستطيع أنت وأمثالك العمل على نقل أسلوب الإدارة والشفافية  بحيث تكون منظماتنا الخيرية لا تقل عن مثيلاتها في العالم المتقدم، رغم معرفتك ومعرفتي بأن المال قد أفسد مرارا  الكثيرين من المشرفين عليها.

وكما يقول المثل الألماني، الثقة جميلة ولكن المراقبة والمحاسبة أجمل.

وأخيرا فإن الخلاف في الرأى لا يفسد للود قضية

 

 

كتابات أخرى

kahdra@jusur.net   راسلوني